عليكم ) [ البقرة : 194 ] واتفق فقهاء الأمصار فيمن استهلك عبدا أن عليه قيمته ، وحكم
النبي صلى الله عليه وسلم على معتق عبد بينه وبين غيره بنصف قيمته إذا كان موسرا ، فبان بذلك غلط هذا
القائل في نفيه اسم المثل عن القيمة . ووجه آخر : وهو أن قولك " إن الآية لم تقتض
إيجاب الجزاء فيما لا نظير له " تخصيص لها بغير دليل ، مع دخول ذلك في عموم قوله :
( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) وقوله : ( ومن قتله منكم متعمدا ) ، والهاء في : ( قتله )
كناية عن جميع المذكور من الصيد ، فإذا خرجت منه بعضه فقد خصصته بغير دليل ،
وذلك غير سائغ . ويدل على أن المثل القيمة دون النظير أن جماعة من الصحابة قد روي
عنهم : " في الحمامة شاة " ولا تشابه بين الحمامة والشاة في المنظر ، فعلمنا أنهم أوجبوها
على وجه القيمة .
فإن قيل : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل في الضبع كبشا . قيل له : لأن تلك كانت
قيمته ، ولا دلالة فيه على أنه أوجبه من حيث كان نظيرا له . فإن قال قائل : إنما كان
يسوغ هذا التأويل وحمل الآية على القيمة لو لم يكن في الآية بيان المراد بالمثل ، وقد
فسر في نسق الآية معنى المثل في قوله : ( فجزاء مثل ما قتل من النعم ) فأخبر أن المثل
من النعم ولا مساغ للتأويل مع النص . قيل له : إنما كان يكون على ما ادعيت لو اقتصر
على ذلك ولم يصله بما أسقط دعواك ، وهو قوله : ( من النعم يحكم به ذوا عدل منكم
هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ) فلما وصله بما ذكر وأدخل
عليه حرف التخيير ثبت بذلك أن ذكر النعم ليس على وجه التفسير للمثل ، ألا ترى أنه قد
ذكر الطعام والصيام جميعا وليسا مثلا وأدخل " أو " بينهما وبين النعم ؟ ولا فرق إذ كان
ذلك ترتيب الآية بين أن يقول فجزاء مثل ما قتل طعاما أو صياما أو من النعم هديا ، لأن
تقديم ذكر النعم في التلاوة لا يوجب تقديمه في المعنى ، بل الجميع كأنه مذكور معا ، ألا
ترى أن قوله تعالى : ( فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو
كسوتهم أو تحرير رقبة ) لم يقتض كون الطعام مقدما على الكسوة ولا الكسوة مقدمة
على العتق في المعنى ، بل الكل كأنه مذكور بلفظ واحد معا ؟ فكذلك قوله : ( فجزاء مثل
ما قتل من النعم ) موصولا بقوله : ( يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة
طعام مساكين ) لم يكن ذكر النعم تفسيرا للمثل . وأيضا فإن قوله تعالى : ( فجزاء مثل ما
قتل ) كلام مكتف بنفسه غير مفتقر إلى تضمينه بغيره ، وقوله : ( من النعم يحكم به ذوا
عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين ) يمكن استعماله على غير وجه
التفسير للمثل ، فلم يجز أن يجعل المثل مضمنا بالنعم مع استغناء الكلام عنه ، لأن كل
كلام فله حكم غير جائز تضمينه بغيره إلا بدلالة تقوم عليه سواه . وأيضا قوله : ( من
أحكام القرآن — صفحة 591
مساهمون: الجصاص
ص٥٩١