أكل منه . والثاني : أن يغصب طعام غيره فيخلطه بطعامه فيحرمه على نفسه حتى يغرم
لصاحبه مثله . روى عكرمة عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني
إذا أكلت اللحم انتشرت فحرمته على نفسي ! فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا
تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) الآية . وروى سعيد عن قتادة قال : كان ناس من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بترك اللحم والنساء والاختصاء ، فأنزل الله عز وجل :
( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) الآية ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
" ليس في ديني ترك النساء ولا اللحم ولا اتخاذ الصوامع " . وروى مسروق قال : كنا عند
عبد الله ، فأتي بضرع ، فتنحى رجل ، فقال عبد الله : أدنه فكل ! فقال : إني كنت حرمت
الضرع ، فتلا عبد الله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) كل
وكفر ! . وقال الله تعالى : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) [ التحريم : 1 ] إلى
قوله : ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) [ التحريم : 2 ] . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم مارية ، وروي أنه حرم العسل على نفسه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمره بالكفارة .
وكذلك قال أكثر أهل العلم فيمن حرم طعاما أو جارية على نفسه أنه إن أكل من الطعام
حنث ، وكذلك إن وطئ الجارية لزمته كفارة يمين .
وفرق أصحابنا بين من قال : " والله لا آكل هذا الطعام " وبين قوله : " حرمته على
نفسي " فقالوا في التحريم : إن أكل الجزء منه حنث ، وفي اليمين لا يحنث إلا بأكل
الجميع ، وجعلوا تحريمه إياه على نفسه بمنزلة قوله : " والله لا أكلت منه شيئا " إذ كان
ذلك مقتضى لفظ التحريم في سائر ما حرم الله تعالى ، مثل قوله : ( حرمت عليكم الميتة
والدم ولحم الخنزير ) [ المائدة : 3 ] اقتضى اللفظ تحريم كل جزء منه ، فكذلك تحريم
الانسان طعاما يقتضي إيجاب اليمين في أكل الجزء منه . وأما اليمين بالله في نفي أكل هذا
الطعام فإنها محمولة على الأيمان المنتظمة للشروط والجواب ، كقول القائل : " إن أكلت
هذا الطعام فعبدي حر " فلا يحنث بأكل البعض منه حتى يستوفي أكل الجميع . فإن قال
قائل : قال الله تعالى : ( كل الطعام فلا حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه )
[ آل عمران : 93 ] فروي أن إسرائيل أخذه عرق النساء ، فحرم أحب الأشياء إليه وهو لحوم
الإبل إن عافاه الله ، فكان ذلك تحريما صحيحا حاظرا لما حرم على نفسه . قيل له : هو
منسوخ بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم .
مطلب : في الدليل على بطلان قول الممتنعين من أكل اللحوم والأطعمة
اللذيذة تزهدا
وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الممتنعين من أكل اللحوم والأطعمة اللذيذة
أحكام القرآن — صفحة 565
مساهمون: الجصاص
ص٥٦٥