المتقدمين فيكون فيها أمر باستعمالها وإخبار ببقاء حكمها ، أو أن تكون نزلت بعد نسخ
كثير منها ، فإن كان كذلك فإن حكمها ثابت فيما لم ينسخ منها ، كاستعمال حكم العموم
فيما لم تقم دلالة خصوصه واستعمالها فيما لا يجوز فيه النسخ من وصف النبي صلى الله عليه وسلم
وموجبات أحكام العقول ، فلم تخل الآية من الدلالة على بقاء حكم ما لم ينسخ من
شرائع من قبلنا وأنه قد صار شريعة لنبينا عليه السلام .
مطلب : في الدليل على بطلان قول النصارى في أن المسيح إله
قوله تعالى : ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة
كانا يأكلان الطعام ) فيه أوضح الدلالة على بطلان قول النصارى في أن المسيح إله ، لأن
من احتاج إلى الطعام فسبيله سبيل سائر العباد في الحاجة إلى الصانع المدبر ، إذ كان من
فيه سمة الحدث لا يكون قديما ، ومن يحتاج إلى غيره لا يكون قادرا لا يعجزه شئ .
وقد قيل في معنى قوله : ( كانا يأكلان الطعام ) أنه كناية عن الحدث ، لأن كل من يأكل
الطعام فهو محتاج إلى الحدث لا محالة . وهذا وإن كان كذلك في العادة فإن الحاجة إلى
الطعام والشراب وما يحتاج المحتاج إليهما من الجوع والعطش ظاهر الدلالة على حدث
المحتاج إليهما وعلى أن الحوادث تتعاقب عليه ، وأن ذلك ينفي كونه إلها وقديما .
قوله تعالى : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن
مريم ) ، قال الحسن ومجاهد والسدي وقتادة : " لعنوا على لسان داود فصاروا قردة وعلى
لسان عيسى فصاروا خنازير " . وقيل : إن فائدة لعنهم على لسان الأنبياء إعلامهم الإياس
من المغفرة مع الإقامة على الكفر والمعاصي ، لأن دعاء الأنبياء عليهم السلام باللعن
والعقوبة مستجاب . وقيل : إنما ظهر لعنهم على لسان الأنبياء لئلا يوهموا الناس أن لهم
منزلة بولادة الأنبياء تنجيهم من عقاب المعاصي .
قوله تعالى : ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) معناه لا ينهى بعضهم بعضا عن
المنكر ، وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا عبد الله بن محمد
النفيلي : حدثنا يونس بن راشد عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى
الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه
ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ثم
لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم " - إلى قوله فاسقون -
ثم قال : " كلا والله ! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم
أحكام القرآن — صفحة 563
مساهمون: الجصاص
ص٥٦٣