ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا " . وقال أبو داود : وحدثنا خلف بن
هشام : حدثنا أبو شهاب الحناط ، عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة ، عن سالم ،
عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، زاد : " أو ليضربن الله بقلوب
بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم " .
قال أبو بكر : في هذه الآية مع ما ذكرنا من الخبر في تأويلها دلالة على النهي عن
مجالسة المظهرين للمنكر ، وأنه لا يكتفى منهم بالنهي دون الهجران .
قوله تعالى : ( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ) ، روي عن الحسن وغيره أن
الضمير في " منهم " راجع إلى اليهود ، وقال آخرون : هو راجع إلى أهل الكتاب ، والذين
كفروا هم عبدة الأوثان تولاهم أهل الكتاب على معاداة النبي صلى الله عليه وسلم ومحاربته .
قوله تعالى : ( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ) ،
روي عن الحسن ومجاهد أنه من المنافقين من اليهود ، أخبر أنهم غير مؤمنين بالله وبالنبي
وإن كانوا يظهرون الإيمان . وقيل : إنه أراد بالنبي موسى عليه السلام أنهم غير مؤمنين به
إذ كانوا يتولون المشركين .
قوله تعالى : ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) الآية . قال
ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي : " نزلت في النجاشي وأصحابه لما أسلموا " .
وقال قتادة : " قوم من أهل الكتاب كانوا على الحق متمسكين بشريعة عيسى عليه السلام ،
فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به " . ومن الجهال من يظن أن في هذه الآية مدحا للنصارى
وإخبارا بأنهم خير من اليهود ، وليس كذلك ، وذلك لأن ما في الآية من ذلك إنما هو
صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول يدل عليه ما ذكر في نسق التلاوة من إخبارهم عن
أنفسهم بالإيمان بالله وبالرسول ، ومعلوم عند كل ذي فطنة صحيحة أمعن النظر في مقالتي
هاتين الطائفتين أن مقالة النصارى أقبح وأشد استحالة وأظهر فسادا من مقالة اليهود ، لأن
اليهود تقر بالتوحيد في الجملة وإن كان فيها مشبهة تنقص ما أعطته في الجملة من
التوحيد بالتشبيه .
باب تحريم ما أحل الله عز وجل
قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) . والطيبات
اسم يقع على ما يستلذ ويشتهي ويميل إليه القلب ، ويقع على الحلال . وجائز أن يكون
مراد الآية الأمرين جميعا لوقوع الاسم عليهما ، فيكون تحريم الحلال على أحد وجهين ،
أحدهما : أن يقول : " قد حرمت هذا الطعام على نفسي " فلا يحرم عليه وعليه الكفارة إن
أحكام القرآن — صفحة 564
مساهمون: الجصاص
ص٥٦٤