بوجوب طاعته عليهم بقوله : ( فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من
قبل يعذبكم عذابا أليما ) [ الفتح : 16 ] .
فإن قال قائل : يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي دعاهم . قيل له : قال الله تعالى :
( فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ) [ التوبة : 83 ] فأخبر أنهم لا
يخرجون معه أبدا ولا يقاتلون معه عدوا . فإن قال قائل : جائز أن يكون عمر هو الذي
دعاهم . قيل له : إن كان كذلك فإمامة عمر ثابتة بدليل الآية ، وإذا صحت إمامته صحت
إمامة أبي بكر لأنه هو المستخلف له . فإن قيل : جائز أن يكون علي هو الذي دعاهم إلى
محاربة من حارب . قيل له : قال الله تعالى : ( تقاتلونهم أو يسلمون ) [ الفتح : 16 ]
وعلي رضي الله عنه إنما قاتل أهل البغي وحارب أهل الكتاب على أن يسلموا أو يعطوا
الجزية ، ولم يحارب أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم على أن يسلموا غير أبي بكر ، فكانت الآية دالة
على صحة إمامته .
باب العمل اليسير في الصلاة
قال الله تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون
الزكاة وهم راكعون ) روي عن مجاهد والسدي وأبي جعفر وعتبة بن أبي حكيم : أنها
نزلت في علي بن أبي طالب حين تصدق بخاتمه وهو راكع . وروى الحسن أنه قال :
" هذه الآية صفة جميع المسلمين ، لأن قوله تعالى : ( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة
وهم راكعون ) صفة للجماعة وليست للواحد " . وقد اختلف في معنى قوله : ( وهم
راكعون ) فقيل فيه : إنهم كانوا على هذه الصفة في وقت نزول الآية ، منهم من قد أتم
الصلاة ومنهم من هو راكع في الصلاة . وقال آخرون : " معنى : ( وهم راكعون ) أن ذلك
من شأنهم ، وأفرد الركوع بالذكر تشريفا له " . وقال آخرون : " معناه أنهم يصلون بالنوافل
كما يقال فلان يركع أي يتنفل " . فإن كان المراد فعل الصدقة في حال الركوع فإنه يدل
على إباحة العمل اليسير في الصلاة ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في إباحة العمل اليسير
فيها ، فمنها أنه خلع نعليه في الصلاة ، ومنها أنه مس لحيته وأنه أشار بيده ، ومنها حديث
ابن عباس أنه قام على يسار النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذ بذؤابته وأداره إلى يمينه ، ومنها أنه كان
يصلي وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ، فإذا سجد وضعها وإذا رفع رأسه
حملها . فدلالة الآية ظاهرة في إباحة الصدقة في الصلاة ، لأنه إن كان المراد الركوع فكان
تقديره : " الذين يتصدقون في حال الركوع " فقد دلت على إباحة الصدقة في هذه الحال ،
وإن كان المراد وهم يصلون ، فقد دلت على إباحتها في سائر أحوال الصلاة ، فكيفما
تصرفت الحال فالآية دالة على إباحة الصدقة في الصلاة .
أحكام القرآن — صفحة 557
مساهمون: الجصاص
ص٥٥٧