والأذان مسنون لكل صلاة مفروضة منفردا كان المصلي أو في جماعة ، إلا أن
أصحابنا قالوا : جائز للمقيم المنفرد أن يصلي بغير أذان ، لأن أذان الناس دعاء له ،
فيكتفى به ، والمسافر يؤذن ويقيم ، وإن اقتصر على الإقامة دون الأذان أجزأه ، ويكره له
أن يصلي بغير أذان ولا إقامة ، لأنه لم يكن هناك أذان ويكون دعاء له . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال : " من صلى في أرض بأذان وإقامة صلى خلفه صف من الملائكة لا يرى طرفاه " .
وهذا يدل على أن من سنة صلاة المنفرد الأذان . وقال في خبر آخر : " إذا سافرتما فأذنا
وأقيما " وقد ذكرنا صفة الأذان والإقامة والاختلاف فيهما في غير هذا الكتاب .
مطلب : في الاستعانة بالمشركين
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا ) فيه
نهي عن الاستنصار بالمشركين ، لأن الأولياء هم الأنصار . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
حين أراد الخروج إلى أحد جاء قوم من اليهود وقالوا : نحن نخرج معك ، فقال : " إنا لا
نستعين بمشرك " ، وقد كان كثير من المنافقين يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وسلم المشركين . وقد حدثنا
عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا أبو مسلم : حدثنا حجاج : حدثنا حماد عن محمد بن
إسحاق عن الزهري : " أن ناسا من اليهود غزو مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقسم لهم كما قسم
للمسلمين " . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود
قال : حدثنا مسدد ويحيى بن معين قالا : حدثنا يحيى عن مالك عن الفضل عن
عبد الله بن نيار عن عروة عن عائشة - قال يحيى : إن رجلا من المشركين لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم
ليقاتل معه فقال : " ارجع ! " ثم اتفقا فقال : " إنا لا نستعين بمشرك " .
وقال أصحابنا : لا بأس بالاستعانة بالمشركين على قتال غيرهم من المشركين إذا
كانوا متى ظهروا كان حكم الاسلام هو الظاهر ، فأما إذا كانوا لو ظهروا كان حكم الشرك
هو الغالب فلا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا معهم . ومستفيض في أخبار أهل السير ونقلة
المغازي : " أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يغزو ومعه قوم من اليهود في بعض الأوقات وفي بعضها
قوم من المشركين " . وأما وجه الحديث الذي قال فيه : " إنا لا نستعين بمشرك " فيحتمل
أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يثق بالرجل وظن أنه عين للمشركين ، فرده وقال : " إنا لا نستعين
بمشرك " يعني به من كان في مثل حاله .
قوله تعالى : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم ) قيل فيه : إن معناه
" هلا " وهي تدخل للماضي والمستقبل ، فإذا كانت للمستقبل فهي في معنى الأمر ،
كقوله : " لم لا تفعل " وهي ههنا للمستقبل ، يقول : هلا ينهاهم ولم لا ينهاهم ! وإذا كانت
أحكام القرآن — صفحة 559
مساهمون: الجصاص
ص٥٥٩