لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ) لم يحتمل أن يريد بقوله : ( ومن يتولهم منكم )
مشركي العرب . قيل له : لما كان المخاطبون بأول الآية في ذلك الوقت هم العرب ، جاز
أن يريد بقوله : ( ومن يتولهم منكم ) العرب ، فيفيد أن مشركي العرب إذا تولوا اليهود أو
النصارى بالديانة والانتساب إلى الملة يكونون في حكمهم وإن لم يتمسكوا بجميع شرائع
دينهم . ومن الناس من يقول فيمن اعتقد من أهل ملتنا بعض المذاهب الموجبة لإكفار
معتقديها : إن الحكم بإكفاره لا يمنع أكل ذبيحته ومناكحة المرأة منهم إذا كانوا منتسبين
إلى ملة الاسلام ، وإن كفروا باعتقادهم لما يعتقدونه من المقالة الفاسدة ، إذ كانوا في
الجملة متولين لأهل الاسلام منتسبين إلى حكم القرآن ، كما أن من انتحل النصرانية أو
اليهودية كان حكمه حكمهم وإن لم يكن متمسكا بجميع شرائعهم ، ولقوله تعالى : ( ومن
يتولهم منكم فإنه منهم ) وكان أبو الحسن الكرخي ممن يذهب إلى ذلك .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم
يحبهم ويحبونه ) قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج : " نزلت في أبي بكر الصديق
رضي الله عنه ومن قاتل معه أهل الردة " . وقال السدي : " هي في الأنصار " . وقال
مجاهد : " في أهل اليمن " . وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عياض الأشعري قال :
لما نزلت : ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ) أومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ معه إلى
أبي موسى ، فقال : " هم قوم هذا " .
مطلب : الدليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم
وفي الآية دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ،
وذلك لأن الذين ارتدوا من العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إنما قاتلهم أبو بكر وهؤلاء
الصحابة ، وقد أخبر الله أنه يحبهم ويحبونه وأنهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون
لومة لائم ، ومعلوم أن من كانت هذه صفته فهو ولي الله . ولم يقاتل المرتدين بعد
النبي صلى الله عليه وسلم غير هؤلاء المذكورين وأتباعهم ، ولا يتهيأ لأحد أن يجعل الآية في غير
المرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من العرب ولا في غير هؤلاء الأئمة ، لأن الله تعالى لم يأت
بقوم يقاتلون المرتدين المذكورين في الآية غير هؤلاء الذين قاتلوا مع أبي بكر .
مطلب : الدليل على صحة إمامة أبي بكر رضي الله عنه
ونظير ذلك أيضا في دلالته على صحة إمامة أبي بكر قوله تعالى : ( قل للمخلفين
من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم
الله أجرا حسنا ) [ الفتح : 16 ] لأنه كان الداعي لهم إلى قتال أهل الردة ، وأخبر تعالى
أحكام القرآن — صفحة 556
مساهمون: الجصاص
ص٥٥٦