مطلب : الكافر لا يكون وليا للمسلم
وفي هذه الآية دلالة على أن الكافر لا يكون وليا للمسلم لا في التصرف ولا في
النصرة ، ويدل على وجوب البراءة من الكفار والعداوة لهم ، لأن الولاية ضد العداوة ،
فإذا أمرنا بمعاداة اليهود والنصارى لكفرهم فغيرهم من الكفار بمنزلتهم . ويدل على أن
الكفر كله ملة واحدة ، لقوله تعالى : ( بعضهم أولياء بعض ) . ويدل على أن اليهودي
يستحق الولاية على النصراني في الحال التي كان يستحقها لو كان المولى عليه يهوديا ،
وهو أن يكون صغيرا أو مجنونا ، وكذلك الولاية بينهما في النكاح هو على هذا السبيل .
ومن حيث دلت على كون بعضهم أولياء بعض فهو يدل على إيجاب التوارث بينهما ،
وعلى ما ذكرنا من كون الكفر كله ملة واحدة وإن اختلفت مذاهبه وطرقه . وقد دل على
جواز مناكحة بعضهم لبعض ، اليهودي للنصرانية والنصراني لليهودية . وهذا الذي ذكرنا
إنما هو في أحكامهم فيما بينهم ، وأما فيما بينهم وبين المسلمين فيختلف حكم الكتابي
وغير الكتابي في جواز المناكحة وأكل الذبيحة .
قوله تعالى : ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) يدل على أن حكم نصارى بني تغلب
حكم نصارى بني إسرائيل في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم ، وروي ذلك عن ابن عباس
والحسن . وقوله : ( منكم ) يجوز أن يريد به العرب ، لأنه لو أراد المسلمين لكانوا إذا
تولوا الكفار صاروا مرتدين ، والمرتد إلى النصرانية واليهودية لا يكون منهم في شيء من
أحكامهم ، ألا ترى أنه لا تؤكل ذبيحة وإن كانت امرأة لم يجز نكاحها ولا يرثهم ولا
يرثونه ولا يثبت بينما شئ من حقوق الولاية ؟ وزعم بعضهم أن قوله : ( ومن يتولهم
منكم فإنه منهم ) يدل على أن المسلم لا يرث المرتد ، لإخبار الله أنه ممن تولاه من
اليهود والنصارى ، ومعلوم أن المسلم لا يرث اليهودي ولا النصراني ، فكذلك لا يرث
المرتد . قال أبو بكر : وليس فيه دلالة على ما ذكرنا ، لأنه لا خلاف أن المرتد إلى
اليهودية لا يكون يهوديا والمرتد إلى النصرانية لا يكون نصرانيا ، ألا ترى أنه لا تؤكل
ذبيحته ولا يجوز تزويجها إن كانت امرأة وأنه لا يرث اليهودي ولا يرثه ؟ فكما لم يدل
ذلك على إيجاب التوارث بينه وبين اليهودي والنصراني ، كذلك لا يدل على أن المسلم
لا يرثه ، وإنما المراد أحد وجهين : إن كان الخطاب لكفار العرب فهو دال على أن عبدة
الأوثان من العرب إذا تهودوا أو تنصروا كان حكمهم حكمهم في جواز المناكحة وأكل
الذبيحة والإقرار على الكفر بالجزية ، وإن كان الخطاب للمسلمين فهو إخبار بأنه كافر
مثلهم بموالاته إياهم ، فلا دلالة فيه على حكم الميراث .
فإن قال قائل : لما كان ابتداء الخطاب في المؤمنين ، لأنه قال : ( يا أيها الذين آمنوا
أحكام القرآن — صفحة 555
مساهمون: الجصاص
ص٥٥٥