ونحوهما كما يستر صدره ، وإن كان متى ظهر كان مواجها لمن يقابله . وهذا الذي ذكرنا
من معنى الوجه يدل على أن المضمضة والاستنشاق غير واجبين بالآية ، إذ ليس داخل
الأنف والفم من الوجه ، إذ هما غير مواجهين لمن قابلهما . وإذا لم تقتض الآية إيجاب
غسلهما وإنما اقتضت غسل ما واجهنا وقابلنا منه فمن قال بإيجاب المضمضة والاستنشاق
فهو زائد في حكم الفرض ما ليس منه ، وهذا غير جائز لأنه يوجب نسخه .
فإن قيل : قول النبي صلى الله عليه وسلم : " بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما "
وقوله صلى الله عليه وسلم حين توضأ مرة مرة : " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " يوجب فرض
المضمضة والاستنشاق . قيل له : أما الحديث الذي فيه أنه توضأ مرة مرة ثم قال : " هذا
وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " ، فإنه لم يذكر فيه أنه تمضمض فيه واستنشق ، وإنما ذكر
فيه الوضوء فحسب ، والوضوء هو غسل الأعضاء المذكورة في كتاب الله تعالى ، وجائز
أن لا يكون تمضمض واستنشق في ذلك الوضوء لأنه قصد به توقيفهم على المفروض
الذي لا يجزي غيره ، فإذا لا دلالة في هذا الخبر على ما قال هذا القائل ، ولو ثبت أنه
تمضمض واستنشق لم يجز أن يراد في حكم الآية . وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : " بالغ في
المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما " لا يجوز الاعتراض به على الآية في إثبات
الزيادة ، لأنه غير جائز أن يزاد في حكم القرآن بخبر الواحد . وقد حدثنا عبد الباقي بن
قانع قال : حدثنا أبو ميسرة محمد بن الحسن بن العلاء قال : حدثنا عبد الأعلى قال :
حدثنا يحيى بن ميمون بن عطاء قال : حدثنا ابن جريج عن عطاء قال : سئلت عائشة عن
وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء فيه ماء فتوضأ وكفا على يديه مرة
وغسل وجهه مرة وغسل ذراعيه مرة ومسح برأسه مرة وغسل قدميه مرة ، وقال : " هذا
الوضوء الذي افترض الله علينا " ، ثم أعاد ذلك فقال : " من ضاعف ضاعف الله له " ، ثم
أعاد الثالثة فقال : " هذا وضوؤنا معشر الأنبياء ، فمن زاد فقد أساء " . فأخبرت بوضوئه من
غير مضمضة ولا استنشاق ، لأنه قصد بيان المفروض منه ، ولو كان فرضا فيه لفعله .
باب غسل اللحية وتخليلها
قال الله تعالى : ( فاغسلوا وجوهكم ) وقد بينا أن الوجه ما واجهك من الانسان ،
فاحتمل أن تكون اللحية من الوجه لأنها تواجه المقابل له غير مغطاة في الأكثر كسائر
الوجه ، وقد يقال أيضا : خرج وجهه ، إذا خرجت لحيته ، فليس يمتنع أن تكون اللحية
من الوجه فيقتضي ظاهر ذلك وجوب غسلها ، ويحتمل أن يقال : ليست من الوجه وإنما
الوجه ما واجهك من بشرته دون الشعر النابت عليه بعد ما كانت البشرة ظاهرة دونه .
أحكام القرآن — صفحة 425
مساهمون: الجصاص
ص٤٢٥