إلى المنكب ، والدليل على ذلك أن عمارا تيمم إلى المنكب وقال : " تيممنا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المناكب " وكان ذلك لعموم قوله : ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم
منه ) ، ولم ينكره عليه أحد من جهة اللغة بل هو كان من أهل اللغة ، فكان عنده أن الاسم
للعضو إلى المنكب ، فثبت بذلك أن الاسم يتناولها إلى المنكب . وإذا كان الإطلاق
يقتضي ذلك ثم ذكر التحديد فجعل المرافق غاية ، كان ذكره لها لإسقاط ما وراءها من
وجهين : أحدهما أن عموم اللفظ ينتظم المرافق فيجب استعماله فيها ، إذ لم تقم الدلالة
على سقوطها . والثاني : أن الغاية لما كانت قد تدخل تارة ولا تدخل أخرى ، والموضع
الذي دخلت الغاية فيه قوله تعالى : ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) [ البقرة : 222 ] ووجود
الطهر شرط في الإباحة ، وقال : ( حتى تنكح زوجا غيره ) [ البقرة : 230 ] ووجوده شرط
فيه ، و " إلى " و " حتى " جميعا للغاية والموضع الذي لا تدخل فيه نحو قوله : ( ثم أتموا
الصيام إلى الليل ) [ البقرة : 187 ] والليل خارج منه ، فلما كان هذا هكذا وكان الحدث
فيه يقينا لم يرتفع إلا بيقين مثله وهو وجوب غسل المرفقين ، إذ كانت الغاية مشكوكا
فيها . وأيضا روى جابر بن عبد الله : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بلغ المرفقين في الوضوء أدار
الماء عليهما " وفعله ذلك عندنا على الوجوب لوروده مورد البيان ، لأن قوله تعالى :
( إلى المرافق ) لما احتمل دخول المرافق فيه واحتمل خروجها صار مجملا مفتقرا إلى
البيان ، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب . والذي ذكرنا من
دخول المرافق في الوضوء هو قول أصحابنا جميعا ، إلا زفر فإنه يقول : إن المرافق غير
داخلة في الوضوء ، وكذلك الكعبان على هذا الخلاف .
وقوله تعالى : ( وامسحوا برؤوسكم ) ، قال أبو بكر : اختلف الفقهاء في المفروض
من مسح الرأس ، فروي عن أصحابنا فيه روايتان ، إحداهما : ربع الرأس ، والأخرى :
مقدار ثلاثة أصابع ، ويبدأ بمقدم الرأس . وقال الحسن بن صالح : " يبدأ بمؤخر الرأس " .
وقال الأوزاعي والليث : " يمسح مقدم الرأس " . وقال مالك : " الفرض مسح جميع الرأس
وإن ترك القليل منه جاز " . وقال الشافعي : " الفرض مسح بعض رأسه " . ولم يحد شيئا .
وقوله تعالى : ( وامسحوا برؤوسكم ) يقتضي مسح بعضه ، وذلك لأنه معلوم أن هذه
الأدوات موضوعة لإفادة المعاني ، فمتى أمكننا استعمالها على فوائد مضمنة بها وجب
استعمالها على ذلك ، وإن كان قد يجوز دخولها في بعض المواضع صلة للكلام وتكون
ملغاة نحو " من " هي مستعملة على معان منها التبعيض ، ثم قد تدخل في الكلام وتكون
ملغاة وجودها وعدمها سواء . ومتى أمكننا استعمالها على وجه الفائدة وما هي موضوعة
له لم يجز لنا إلغاؤها ، فقلنا من أجل ذلك إن الباء للتبعيض وإن جاز وجودها في الكلام
أحكام القرآن — صفحة 428
مساهمون: الجصاص
ص٤٢٨