الغسل عما يقع منه عن الوضوء ، وأما الغسل لا يختلف حكمه في نفسه ولا فيما يقع له
فاستغنى عن النية فيه والتمييز ، إذ كان المقصد منه إيقاع الفعل كما قيل : لا تصل حتى
تغسل النجاسة من بدنك أو ثوبك ، ولا تصل إلا مستور العورة ، وليس يقتضي شئ من
ذلك إيجاب النية فيه .
ويدل على ما ذكرنا من جهة السنة حديث رفاعة بن رافع وأبي هريرة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليمه الأعرابي الصلاة وقوله : " لا تتم صلاة امرئ حتى يضع الطهور
مواضعه ، فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل رجليه " ، فقوله : " حتى يضع الطهور
مواضعه " يقتضي جوازه بغير نية ، لأن مواضع الطهور معلومة مذكورة في القرآن ، فصار
كقوله : حتى يغسل هذه الأعضاء ، وقوله : " فيغسل وجهه ويديه " يوجب ذلك أيضا ، إذ لم
يشرط فيه النية ، فظاهره يقتضي جوازه على أي وجه غسله . ويدل من جهة أخرى أنه
معلوم أن الأعرابي كان جاهلا بأحكام الصلاة والطهارة ، فلو كانت النية شرطا فيها لما
أخلاه النبي صلى الله عليه وسلم من التوقيف عليها ، وفي ذلك أوضح دليل على أنها ليست من فروضها .
ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في غسل الجنابة لأم سلمة : " إنما يكفيك أن تحثي على رأسك
ثلاث حثيات وعلى سائر جسدك فإذا أنت قد طهرت " ، ولم يشرط فيه النية . وروى ابن
عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة ثم قال : " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " ،
فأشار إلى الفعل المشاهد دون النية هي ضمير لا تصح الإشارة إليه وأخبر بقبول
الصلاة به ، وقال : " إذا وجدت الماء فامسسه جلدك " ، وقال : " إن تحت كل شعرة جنابة ،
فبلوا الشعر وانقوا البشرة " . ومن جهة النظر أن الوضوء طهارة بالماء كغسل النجاسة ،
وأيضا هو سبب يتوصل به إلى صحة أداء الصلاة لا على وجه البدل عن غيره ، فأشبه
غسل النجاسة وستر العورة والوقوف على مكان طاهر ، ولا يلزم عليه التيمم لأنه بدل عن
غيره .
فإن احتجوا بقوله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) [ البينة :
45 ] وذلك يقتضي إيجاب النية له ، لأن ذلك أقل أحوال الإخلاص . قيل له : ينبغي أن
يثبت أن الوضوء عبادة أو أنه من الدين ، إذ جائز أن يقال إن العبادات هي ما كان مقصودا
لعينه في التعبد ، فأما ما أمر به لأجل غيره أو جعل شرطا فيه أو سببا له فليس يتناوله هذا
الاسم ، ولو لزم أن يكون تارك النية في الطهارة غير مخلص لله لوجب مثله في تارك النية
في غسل النجاسة وستر العورة ، فلما لم يجز أن يكون تارك النية فيما وصفنا غير مخلص
إذ كان مأمورا به لأجل الصلاة كان كذلك في الطهارة .
أحكام القرآن — صفحة 423
مساهمون: الجصاص
ص٤٢٣