مطلب : الاخلاص ضد الاشراك
وأيضا فإن كل من اعتقد الاسلام فهو مخلص لله تعالى فيما يفعله من العبادات ، إذ
لم يشرك في النية بين الله وبين غيره ، لأن ضد الإخلاص هو الإشراك ، فمتى لم يشرك
فهو مخلص بنفس اعتقاد الإيمان في جميع ما يفعله من العبادات ما لم يشرك غيره فيه .
واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " الأعمال بالنيات " وهذا لا يصح الاحتجاج به في موضع
الخلاف ، من قبل أن حقيقة اللفظ تقتضي كون العمل موقوفا على النية والعمل موجود
مع فقد النية ، فعلمنا أنه لم يرد به حقيقة اللفظ وإنما أراد معنى مضمرا فيه غير مذكور ،
فالمحتج بعموم الخبر في ذلك مغفل . فإن قيل : مراده حكم العمل . قيل له : الحكم غير
مذكور ، فالاحتجاج بعمومه ساقط . فإن ترك الاحتجاج بظاهر اللفظ وقال : لما لم يجز
أن يخلو كلام النبي صلى الله عليه وسلم من فائدة ، وقد علمنا أنه لم يرد نفس العمل ، وجب أن يكون
مراده حكم العمل . قيل له : يحتمل أن يريد به فضيلة العمل لا حكمه ، وإذا احتمل
الأمرين احتيج إلى دلالة من غيره في إثبات المراد وسقط الاحتجاج به . فإن قيل : هو
على الأمرين . قيل له : هذا خطأ ، لأن الضمير المحتمل للمعنيين غير ملفوظ به فيقال هو
عليهما ، وإنما يقال ذلك فيما هو ملفوظ به وفيه احتمال للمعاني فيقال عمومه شامل
للجميع ، فأما ما ليس بمذكور وهو ضمير ليس اللفظ عبارة عنه فقول القائل أحمله على
العموم خطأ . وأيضا فغير جائز إرادة الأمرين ، لأنه إن أريد به فضيلة العمل صار بمنزلة
قوله لا فضيلة للعمل إلا بالنية ، وذلك يقتضي إثبات حكم العمل حتى يصح نفي فضيلته
لأجل عدم النية ، ومتى أراد به حكم العمل لم يجز أن يريد به الفضيلة والأصل منتف ،
فغير جائز أن يرادا جميعا بلفظ واحد إذ غير جائز أن يكون لفظ واحد لنفي الأصل ونفي
الكمال ، وأيضا غير جائز أن يزاد في حكم القرآن بخبر الآحاد على ما بينا ، وهذا من
أخبار الآحاد .
فصل
قوله عز وجل : ( وجوهكم ) قال أبو بكر : قد قيل فيه إن حد الوجه من قصاص
الشعر إلى أصل الذقن إلى شحمة الأذن ، حكى ذلك أبو الحسن الكرخي عن أبي سعيد
البردعي ، ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في هذا المعنى . وكذلك يقتضي ظاهر الاسم ، إذ
كان إنما سمي وجها لظهوره ولأنه يواجه الشئ ويقابل به ، وهذا الذي ذكرناه من تحديد
الوجه هو الذي يواجه الانسان ويقابله من غيره . فإن قيل : فينبغي أن يكون الأذنان من
الوجه لهذا المعنى . قيل له : لا يجب ذلك ، لأن الأذنين تستران له بالعمامة والقلنسوة
أحكام القرآن — صفحة 424
مساهمون: الجصاص
ص٤٢٤