مسعود رأى الناس يصيحون في المسجد فقال : ما هذا النكر ؟ قالوا : أليس الله يقول :
( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) [ آل عمران : 191 ] ؟ فقال : إنما يعني
بهذه الصلاة المكتوبة إن لم تستطع قائما فقاعدا ، وإن لم تستطع فصل على جنبك .
وروي عن الحسن : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) [ آل عمران :
191 ] : هذه رخصة من الله للمريض أن يصلي قاعدا وإن لم يستطع فعلى جنبه .
مطلب : الذكر على وجهين أفضلهما الذكر القلبي وهو الفكر
في عظمة الله تعالى وجلاله إلى آخره
فهذا الذكر المراد به نفس الصلاة ، لأن الصلاة ذكر الله تعالى ، وفيها أيضا أذكار
مسنونة ومفروضة . وأما الذكر الذي في قوله تعالى : ( فإذا قضيتم الصلاة ) فليس هو
الصلاة ، ولكنه على أحد وجهين : إما الذكر بالقلب ، وهو الفكر في عظمة الله وجلاله
وقدرته وفيما في خلقه وصنعه من الدلائل عليه وعلى حكمه وجميل صنعه . والذكر
الثاني : الذكر باللسان بالتعظيم والتسبيح والتقديس ، وروي عن ابن عباس قال : " لم يعذر
أحد في ترك الذكر إلا مغلوبا على عقله " ، والذكر الأول أشرفهما وأعلاهما منزلة .
والدليل على أنه لم يرد بهذا الذكر الصلاة أنه أمر به بعد الفراغ منها بقوله تعالى : ( فإذا
قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ) .
وقوله تعالى : ( فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين ) فإنه
روي عن الحسن ومجاهد وقتادة : " فإذا رجعتم إلى الوطن في دار الإقامة فأتموا الصلاة
من غير قصر " . وقال السدي وغيره : " فعليكم أن تتموا ركوعها وسجودها غير مشاة ولا
ركبان " . قال أبو بكر : من تأول القصر المذكور في قوله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض
فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) على أعداد الركعات ، جعل قوله : ( فإذا
اطمأننتم فأقيموا الصلاة ) على إتمام الركعات عند زوال الخوف والسفر . ومن تأوله على
صفة الصلاة من فعلها بالإيماء أو على إباحة المشي فيها ، جعل قوله تعالى : ( فأقيموا
الصلاة ) أمرا بفعل الصلاة المعهودة على الهيئة المفعولة قبل الخوف ، والله أعلم .
باب مواقيت الصلاة
قال الله تعالى : ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) . روي عن
عبد الله بن مسعود أنه قال : " إن للصلاة وقتا كوقت الحج " . وعن ابن عباس ومجاهد
وعطية : " مفروضا " . وروي عن ابن مسعود أيضا أنه قال : " موقوتا منجما ، كلما مضى
نجم جاء نجم آخر " . وعن زيد بن أسلم مثل ذلك .
أحكام القرآن — صفحة 332
مساهمون: الجصاص
ص٣٣٢