ذكر اختلاف الفقهاء في الصلاة في حال القتال
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر : " لا يصلى في حال القتال ، فإن قاتل في
الصلاة فسدت صلاته " . وقال مالك والثوري : " يصلي إيماء إذا لم يقدر على الركوع
والسجود " . وقال الحسن بن صالح : " إذا لم يقدر على الركوع من القتال كبر بدل كل
ركعة تكبيرة " . وقال الشافعي : " لا بأس بأن يضرب في الصلاة الضربة ويطعن الطعنة ،
فإن تابع الطعن والضرب أو عمل عملا يطول بطلت صلاته " .
قال أبو بكر : الدليل على أن القتال يبطل الصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى صلاة
الخوف في مواضع على ما قدمنا ذكره ، ولم يصل يوم الخندق أربع صلوات حتى كان
هوى من الليل ، ثم قال : " ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة
الوسطى " ثم قضاهن على الترتيب . فأخبر أن القتال شغله عن الصلاة ، ولو كانت الصلاة
جائزة في حال القتال لما تركها كما لم يتركها في حال الخوف في غير قتال . وقد كانت
الصلاة مفروضة في حال الخوف قبل الخندق ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذات الرقاع صلاة
الخوف ، وقد ذكر محمد بن إسحاق والواقدي أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق ،
فثبت بذلك أن القتال ينافي الصلاة وأن الصلاة لا تصح معه . وأيضا فلما كان القتال فعلا
ينافي الصلاة لا تصح معه في غير الخوف ، كان حكمه في الخوف كهو في غيره ، مثل
الحدث والكلام والأكل والشرب وسائر الأفعال المنافية للصلاة ، وإنما أبيح له المشي
فيها لأن المشي لا ينافي الصلاة في كل حال على ما بيناه فيما سلف ، ولأنهم متفقون
على أن المشي لا يفسدها ، فسلمناه للإجماع ، وما عداه من الأفعال المنافية للصلاة فهو
محمول على أصله .
وقوله تعالى : ( فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ) يحتمل أن يكون
المأمورون بأخذ السلاح الطائفة التي مع الإمام ، ويحتمل أن تكون الطائفة التي بإزاء
العدو ، لأن في الآية ضميرا للطائفة التي بإزاء العدو ، وضميرها ظاهر في نسق الآية في
قوله : ( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ) . ومن وجه آخر يدل على ما
ذكرنا ، وهو أنه أمر الطائفة المصلية مع الإمام بأخذ السلاح ، ولم يقل فليأخذوا حذرهم ،
لأن في وجه العدو طائفة غير مصلية حامية لها قد كفت هذه أخذ الحذر ، ثم قال تعالى :
( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) وفي ذلك
دليل من وجهين على أن قوله : ( فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ) إنما أريد
أحكام القرآن — صفحة 330
مساهمون: الجصاص
ص٣٣٠