[ المائدة : 42 ] فيه تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة ، والأئمة بعده مرادون بالحكم معه .
وأما إدراك فضيلة الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فليس يجوز أن يكون علة لإباحة المشي في
الصلاة واستدبار القبلة والأفعال التي تركها من فروض الصلاة ، لأنه لما كان معلوما أن
فعل الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فرضا ، فغير جائز أن يكونوا أمروا بترك الفرض لأجل
إدراك الفضل ، فلما كان هذا على ما وصفنا بطل اعتلاله بذلك وصح أن فعل صلاة
الخوف على الوجه الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم جائز بعده كما جاز معه .
وقد روى جماعة من الصحابة جواز فعل صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم ابن
عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى وحذيفة وسعيد بن العاص
وعبد الرحمن بن سمرة في آخرين منهم ، من غير خلاف يحكى عن أحد منهم ، ومثله
يكون إجماعا لا يسع خلافه ، والله أعلم .
باب الاختلاف في صلاة المغرب
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والحسن بن صالح والأوزاعي
والشافعي : " يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالطائفة الثانية ركعة " ، إلا أن مالكا
والشافعي يقولان : " يقوم الإمام قائما حتى يتموا لأنفسهم ثم يصلي بالطائفة الثانية ركعة
أخرى ثم يسلم الإمام وتقوم الطائفة الثانية فيقضون ركعتين " ، وقال الشافعي : " إن شاء
الإمام ثبت جالسا حتى تتم الطائفة الأولى لأنفسهم ، وإن شاء كان قائما ، ويسلم الإمام
بعد فراغ الطائفة الثانية " . وقال الثوري : " يقوم صف خلفه وصف موازي العدو ، فيصلي
بهم ركعة ثم يذهبون إلى مقام أولئك ويجئ هؤلاء ، فيصلي بهم ركعة ويجلسون ، فإذا
قام ذهب هؤلاء إلى مصاف أولئك وجاء أولئك فركعوا وسجدوا والإمام قائم ، لأن قراءة
الإمام لهم قراءة ، وجلسوا ثم قاموا يصلون مع الإمام الركعة الثالثة ، فإذا جلسوا وسلم
الإمام ذهبوا إلى مصاف أولئك وجاء الآخرون فصلوا ركعتين " ، وذهب في ذلك إلى أن
عليه التعديل بين الطائفتين في الصلاة ، فيصلي بكل واحدة ركعة ، وقد ترك هذا المعنى
حين جعل للطائفة الأولى أن تصلي مع الإمام الركعة الأولى والثالثة والطائفة الثانية إنما
صلت الركعة الثانية معه . وقال الثوري : " إنه إذا كان مقيما فصلى بهم الظهر ، أنه يصلي
بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعتين " فلم يقسم الصلاة بينهم على أن تصلي كل طائفة
منهم معه ركعة على حيالها ، ومذهب الثوري هذا مخالف للأصول من وجه آخر ، وذلك
أنه أمر الإمام أن يقوم قائما حتى تفرغ الطائفة الأولى من الركعة الثانية ، وذلك خلاف
الأصول على ما بينا فيما سلف من مذهب مالك والشافعي ، والله أعلم بالصواب .
أحكام القرآن — صفحة 329
مساهمون: الجصاص
ص٣٢٩