أن حدوث المرض لا يوجب الإفطار بل الإفطار بفعله ، والحيض ينافي الصوم لا يفعلها ،
فأشبه الليل ولم يقطع التتابع .
قوله تعالى : ( توبة من الله ) قيل فيه : إن معناه اعملوا بما أوجبه الله للتوبة من الله ،
أي ليقبل الله توبتكم فيما اقترفتموه من ذنوبكم . وقيل إنه خاص في سبب القتل ، فأمر
بالتوبة منه . وقيل معناه : توسعة ورحمة من الله ، كما قال : ( فتاب عليكم وعفا عنكم )
[ البقرة : 187 ] ، والمعنى : وسع عليكم وسهل عليكم .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن
ألقى إليكم السلام ) الآية . روي أن سبب نزول هذه الآية أن سرية للنبي صلى الله عليه وسلم لقيت رجلا
ومعه غنيمات له ، فقال : السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فقتله رجل من
القوم ، فلما رجعوا أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : " لم قتلته وقد أسلم ؟ " فقال : إنما قالها
متعوذا من القتل ، فقال : " هلا شققت عن قلبه ! " وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد
عليهم غنيماته . قال ابن عمر وعبد الله بن أبي حدرد : القاتل محلم بن جثامة قتل عامر بن
الأضبط الأشجعي . وروي أن القاتل مات بعد أيام ، فلما دفن لفظته الأرض ثلاث مرات ،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم عظم الدم عنده "
ثم أمر أن يلقى عليه الحجارة . وهذه القصة مشهورة لمحلم بن جثامة ، وقد ذكرنا حديث
أسامة بن زيد أنه قتل في سرية رجل قال لا إله إلا الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " قتلته بعد ما قال
لا إله إلا الله ! " فقال : إنما قالها تعوذا ، فقال : " هلا شققت عن قلبه ! من لك بلا إله إلا
الله ؟ " وذكرنا أيضا حديث عقبة بن مالك الليثي في هذا المعنى وأن الرجل قال : إني
مسلم ، فقتله ، فأنكره النبي صلى الله عليه وسلم وقال : " إن الله أبى علي أن أقتل مؤمنا " . وحدثنا محمد بن
بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا الليث عن ابن شهاب عن
عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن المقداد بن الأسود ، أنه أخبره أنه
قال : يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف
ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" لا تقتله ! " فقلت : يا رسول الله إنه قطع يدي ، قال : " لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل
أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال : وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا
الحارث بن أبي أسامة قال : حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم قال : حدثنا المسعودي عن
قتادة عن أبي مجلز عن أبي عبيدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا شرع أحدكم الرمح إلى
الرجل فإن كان سنانه عند ثغرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرجع عنه الرمح " . وقال أبو
عبيدة : " جعل الله تعالى هذه الكلمة أمنة المسلم وعصمة ماله ودمه ، وجعل الجزية أمنة
أحكام القرآن — صفحة 309
مساهمون: الجصاص
ص٣٠٩