بواجب ولا محظور ولا مباح . فأما الواجب فهو قتل أهل الحرب المحاربين لنا قبل أن
يصيروا في أيدينا بالأسر أو بالأمان أو العهد ، وذلك في الرجال منهم دون النساء اللاتي
لا يقاتلن ودون الصغار الذين لا يقاتلون ، وقتل المحاربين إذا خرجوا ممتنعين وقتلوا
وصاروا في يد الإمام قبل التوبة ، وقتل أهل البغي إذا قاتلونا ، وقتل من قصد إنسانا
محظور الدم بالقتل فعلينا قتله ، وقتل الساحر والزاني المحصن رجما ، وكل قتل وجب
على وجه الحد ، فهذه ضروب القتل الواجب . وأما المباح فهو القتل الواجب لولي الدم
على وجه القود ، فهو مخير بين القتل والعفو ، فالقتل ههنا مباح ليس بواجب ، وكذلك
قتل أهل الحرب إذا صاروا في أيدينا ، فالإمام مخير بين القتل والاستبقاء ، وكذلك من
دخل دار الحرب وأمكنه القتل والأسر فهو مخير بين أن يقتل وبين أن يأسر . وأما
المحظور فإنه ينقسم إلى أنحاء : منها ما يجب فيه القود ، وهو قتل المسلم عمدا في دار
الاسلام العاري من الشبهة ، فعلى القاتل القود في ذلك ، ومنها ما تجب فيه الدية دون
القود ، وهو قتل شبه العمد وقتل الأب ابنه وقتل الحربي المستأمن والمعاهد وما يدخله
الشبهة فيسقط القود وتجب الدية ، ومنها ما لا يجب فيه شئ ، وهو قتل المسلم في دار
الحرب قبل أن يهاجر وقتل الأسير في دار الحرب من المسلمين على قول أبي حنيفة
وقتل المولى لعبده ، هذه ضروب من القتل محظورة ولا يجب على القاتل فيها شئ غير
التعزير . وأما ما ليس بواجب ولا مباح ولا محظور فهو قتل المخطئ والساهي والنائم
والمجنون والصبي ، وقد بينا حكمه فيما سلف .
قوله تعالى : ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير
رقبة مؤمنة ) ، قال ابن عباس والشعبي وقتادة والزهري : " هو الرجل من أهل الذمة يقتل
خطأ فتجب على قاتله الدية والكفارة " ، وهو قول أصحابنا . وقال إبراهيم والحسن
وجابر بن زيد : " أراد وإن كان المؤمن المقتول من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية وتحرير
رقبة ، وكانوا لا يوجبون الكفارة على قاتل الذمي " ، وهو مذهب مالك . وقد بينا فيما
سلف أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون المقتول المذكور في الآية كافرا ذا عهد وأنه غير
جائز إضمار الإيمان له إلا بدلالة ، ويدل عليه أنه لما أراد مؤمنا من أهل دار الحرب ذكر
الإيمان فقال : ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) فوصفه
بالإيمان ، لأنه لو أطلق لاقتضى الإطلاق أن يكون كافرا من قوم عدو لنا ، ويدل عليه أن
الكافر المعاهد تجب على قاتله الدية ، وذلك مأخوذ من الآية ، فوجب أن يكون المراد
الكافر المعاهد ، والله أعلم .
أحكام القرآن — صفحة 306
مساهمون: الجصاص
ص٣٠٦