أوجبت له الحكم بالإيمان لقوله صلى الله عليه وسلم : " أقتلت مسلما ؟ " وقتلته بعدما أسلم ؟ " وقوله :
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم
إلا بحقها " ، فأثبت لهم حكم الاسلام بإظهار كلمة التوحيد ، وكذلك قوله في حديث
عقبة بن مالك الليثي : " إن الله تعالى أبى علي أن أقتل مؤمنا " ، فجعله مؤمنا بإظهار هذه
الكلمة ، وروي أن الآية نزلت في مثل ذلك ، فدل ذلك على أن مراد الآية إثبات الإيمان
له في الحكم بإظهار هذه الكلمة . وقد كان المنافقون يعصمون دماءهم وأموالهم بإظهار
هذه الكلمة مع علم الله تعالى باعتقادهم الكفر وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بنفاق كثير منهم ، فدل ذلك
على أن قوله : ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) قد اقتضى الحكم لقائله
بالإسلام .
قوله تعالى : ( تبتغون عرض الحياة الدنيا ) يعني به الغنيمة . وإنما سمى متاع الدنيا
عرضا لقلة بقائه ، على ما روي في الرجل الذي قتل الذي أظهر الاسلام وأخذ ما معه .
قوله تعالى : ( وإذا ضربتم في سبيل الله ) يعني به السير فيها . وقوله تعالى :
" فتثبتوا " قرئ بالتاء والنون ، وقيل إن الاختيار التبين لأن التثبت إنما هو للتبين ، والتثبت
إنما هو سبب له .
وقوله تعالى : ( كذلك كنتم من قبل ) قال الحسن : " كفارا مثلهم " ، وقال سعيد بن
جبير : " كنتم مستخفين بدينكم بين قومكم كما استخفوا " .
وقوله تعالى : ( فمن الله عليكم ) يعني بإسلامكم ، كقوله تعالى : ( بل الله يمن
عليكم أن هداكم للإيمان ) [ الحجرات : 17 ] ، وقيل : فمن الله عليكم بإعزازكم حتى
أظهرتم دينكم .
قوله تعالى : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ) الآية ، يعني به
تفضيل المجاهدين على القاعدين والحض على الجهاد ببيان ما للمجاهدين من منزلة
الثواب التي ليست للقاعدين عن الجهاد ، ودل به على أن شرف الجزاء على قدر شرف
العمل ، فذكر بديا أنهما غير متساويين ، ثم بين التفضيل بقوله : ( فضل الله المجاهدين
بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ) .
مطلب : في أن الأغلب على كلمة " غير " أن تكون صفة
لا استثناء وفي الفرق بين المعنيين
وقد قرئ " غير " بالرفع والنصب ، فالرفع على أنها نعت للقاعدين ، والنصب على
الحال ، ويقال إن الاختيار فيها الرفع ، لأن الصفة أغلب على " غير " من معنى الاستثناء
أحكام القرآن — صفحة 312
مساهمون: الجصاص
ص٣١٢