باب القتل العمد هل فيه كفارة
قال الله تعالى : ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ) فنص على إيجاب
الكفارة في قتل الخطأ ، وذكر قتل العمد في قوله تعالى : ( كتب عليكم القصاص في
القتلى ) [ البقرة : 178 ] ، وقال : ( النفس بالنفس ) [ المائدة : 45 ] ، وخصه بالعمد ، فلما
كان كل واحد من القتيلين مذكورا بعينه ومنصوصا على حكمه لم يجز لنا أن نتعدى ما
نص الله تعالى علينا فيهما ، إذ غير جائز قياس المنصوصات بعضها على بعض ، وهذا قول
أصحابنا جميعا . وقال الشافعي : " على قاتل العمد الكفارة " ، ومع ذلك ففي إثبات
الكفارة في العمد زيادة في حكم النص ، وغير جائز الزيادة في النص إلا بمثل ما يجوز به
النسخ ، وأيضا فغير جائر إثبات الكفارات قياسا وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق . وأيضا
لما نص الله على حكم كل واحد من القتيلين وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من أدخل في أمرنا ما ليس
منه فهو رد " فموجب الكفارة على العامد مدخل في أمره ما ليس منه .
فإن قيل : لما وجبت الكفارة في الخطأ فهي في العمد أوجب ، لأنه أغلظ . قيل له :
ليست هذه الكفارة مستحقة بالمأثم فيعتبر عظم المأثم فيها ، لأن المخطئ غير آثم ،
فاعتبار المأثم فيه ساقط ، وأيضا قد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم سجود السهو على الساهي ، ولا
يجب على العامد وإن كان العمد أغلظ .
فإن احتجوا بحديث ضمرة عن إبراهيم بن أبي عبلة عن العريف بن الديلي عن
واثلة بن الأسقع قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب - يعني النار - بالقتل ،
فقال : " أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار " . قيل له : رواه ابن المبارك
وهانئ بن عبد الرحمن ابن أخي إبراهيم بن أبي عبلة هذا الحديث عن أبي عبلة ، فلم
يذكر أنه أوجب بالقتل ، وهؤلاء أثبت من ضمرة بن ربيعة . ومع ذلك لو ثبت الحديث
على ما رواه ضمرة لم يدل على قول المخالف من وجوه ، أحدها : أنه تأويل من الراوي
في قوله : " أوجب النار بالقتل " لأنه قال : يعني بالقتل . والثاني : أنه لو أراد رقبة القتل
لذكر رقبة مؤمنة ، فلما لم يشرط لهم الإيمان فيها دل على أنها ليست من كفارة القتل ،
وأيضا فإنما أمرهم بأن يعتقوا عنه ، ولا خلاف أنه ليس عليهم عتقها عنه ، وأيضا فإن عتق
الغير عن القاتل لا يجزيه عن الكفارة .
قوله تعالى : ( فتحرير رقبة مؤمنة ) جعل الله من صفة رقبة القتل الإيمان ، ولا
خلاف أنها لا تجزي إلا بهذه الصفة ، وهذا يدل على أن عتق الرقبة المؤمنة أفضل من
الكافرة ، لأن هذه الصفة قد صارت شرطا في الفرض ، وكذلك من نذر أن يعتق رقبة
أحكام القرآن — صفحة 307
مساهمون: الجصاص
ص٣٠٧