شاهره ، فقال الشاذ : إني مسلم ، فضربه فقتله ، فنمى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال
فيه قولا شديدا ، فقال القاتل : يا رسول الله ما قال إلا تعوذا من القتل ، فأعرض عنه
رسول الله صلى الله عليه وسلم مرارا تعرف المساءة في وجهه ، وقال : " إن الله أبى علي أن أقتل مؤمنا "
ثلاث مرات . قال أبو بكر : فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بإيمان المقتول ولم يوجب على قاتله الدية ،
لأنه كان حربيا لم يهاجر بعد إسلامه . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال :
حدثنا الحسن بن علي وعثمان بن أبي شيبة قالا : حدثنا يعلى بن عبيد عن الأعمش عن
أبي ظبيان قال : حدثنا أسامة بن زيد قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى الحرقات
فنذروا بنا فهربوا ، فأدركنا رجلا ، فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، فضربناه حتى قتلناه ،
فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : " من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ " فقلت : يا رسول الله إنما
قالها مخافة السلاح ، قال : " أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا ؟ من
لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ " فما زال يقولها حتى أني وددت أني لم أسلم إلا يومئذ .
وهذا الحديث أيضا يدل على ما قلنا لأنه لم يوجب عليه شيئا وهو حجة على الشافعي
في إيجابه القود على قاتل المسلم في دار الحرب إذا علم أنه مسلم ، لأن النبي عليه
السلام قد أخبر بإسلام هذا الرجل ولم يوجب على أسامة دية ولا قودا . وأما قول مالك
إن قوله تعالى : ( فإن كان من قوم عدو لكم ) إن مت كان حكما لمن أسلم ولم يهاجر وهو
منسوخ بقوله تعالى : ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ) [ الأنفال : 75 ] ، فإنه دعوى
لنسخ حكم ثابت في القرآن بلا دلالة ، وليس في نسخ التوارث بالهجرة وإثباته بالرحم ما
يوجب نسخ هذا الحكم ، بل هو حكم ثابت بنفسه لا تعلق له بالميراث . وعلى أنه في
حال ما كان التوارث بالهجرة قد كان من لم يهاجر من القرابات يرث بعضهم بعضا ،
وإنما كانت الهجرة قاطعة للميراث بين المهاجر وبين من لم يهاجر ، فأما من لم يهاجر
فقد كانوا يتوارثون بأسباب أخر ، فلو كان الأمر على ما قال مالك لوجب أن تكون ديته
واجبة لمن لم يهاجر من أقربائه ، لأنه معلوم أنه لم يكن ميراث من لم يهاجر مهملا لا
مستحق له ، فلما لم يوجب الله تعالى له دية قبل الهجرة لا للمهاجرين ولا لغيرهم علمنا
أنه كان مبقي على حكم الحرب لا قيمة لدمه ، وقوله تعالى : ( فإن كان من قوم عدو
لكم ) يفيد أنه ما لم يهاجر فهو من أهل دار الحرب باق على حكمه الأول في أن لا قيمة
لدمه وإن كان دمه محظورا ، إذ كانت النسبة إليهم قد تصح بأن يكون من بلدهم وإن لم
يكن بينه وبينهم رحم بعد أن يجمعهم في الوطن بلد أو قرية أو صقع ، فنسبه الله إليهم بعد
أحكام القرآن — صفحة 304
مساهمون: الجصاص
ص٣٠٤