وولدها ، فقال : " عاقلة المقتولة ميراثها لنا " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا ، ميراثها لزوجها
وولدها " ، قال : وكانت حبلى ، فألقت جنينا ، فخاف عاقلة القاتلة أن يضمنهم ، فقالوا :
يا رسول الله لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا سجع
الجاهلية " فقضى في الجنين غرة عبدا أو أمة . وروى محمد بن عمر عن أبي سلمة عن
أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين عبدا أو أمة ، فقال الذي قضي عليه العقل :
أنؤدي من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل ! فمثل ذلك ، بطل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن
هذا لقول الشاعر ، فيه غرة عبد أو أمة " . وروى عبد الواحد بن زياد عن مجالد عن الشعبي
عن جابر : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل في الجنين غرة على عاقلة القاتل " . وروى الأعمش
عن إبراهيم : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل العقل على العصبة " . وعن إبراهيم قال : " اختصم
علي والزبير في ولاء موالي صفية إلى عمر ، فقضى بالميراث للزبير والعقل على علي
رضي الله عنه " . وروي عن علي وعمر في قوم أجلوا عن قتيل أن الدية على بيت المال ،
وعن عمر في قتيل وجد بين وداعة وحي آخر أنه قضى بالدية على العاقلة ، فقد تواترت
الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاب دية الخطأ على العاقلة واتفق السلف وفقهاء الأمصار
عليه .
فإن قيل : قال الله تعالى : ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر
أخرى ) [ الأنعام : 164 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة
أخيه " ، وقال لأبي رمثة وابنه : " إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه " ، والعقول أيضا تمنع
أخذ الانسان بذنب غيره . قيل له : أما قوله تعالى : ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا
تزر وازرة وزر أخرى ) [ الأنعام : 164 ] فلا دلالة فيه على نفي وجوب الدية على
العاقلة ، لأن الآية إنما نفت أن يؤخذ الانسان بذنب غيره ، وليس في إيجاب الدية على
العاقلة أخذهم بذنب الجاني ، إنما الدية عندنا على القاتل وأمر هؤلاء القوم بالدخول معه
في تحملها على وجه المواساة له من غير أن يلزمهم ذنب جنايته ، وقد أوجب الله في
أموال الأغنياء حقوقا للفقراء من غير إلزامهم ذنبا لم يذنبوه بل على وجه المواساة ، وأمر
بصلة الأرحام بكل وجه أمكن ذلك ، وأمر ببر الوالدين ، وهذه كلها أمور مندوب إليها
للمواساة وصلاح ذات البين ، فكذلك أمرت العاقلة بتحمل الدية عن قاتل الخطأ على
جهة المواساة من غير إجحاف بهم وبه ، وإنما يلزم كل رجل منهم ثلاثة دراهم أو أربعة
دراهم ويجعل ذلك في أعطياتهم إذا كانوا من أهل الديوان ومؤجلة ثلاث سنين ، فهذا مما
ندبوا إليه من مكارم الأخلاق . وقد كان تحمل الديات مشهورا في العرب قبل الاسلام ،
وكان ذلك مما يعد من جميل أفعالهم ومكارم أخلاقهم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بعثت لأتمم
أحكام القرآن — صفحة 281
مساهمون: الجصاص
ص٢٨١