قتل خطأ عند القاتل ، ألا يرى أنه إذا قال " لا تقتله عمدا " اقتضى النهي قتلا بهذه الصفة
عند القاتل ، وإذا قال " لا تقتله بالسيف " فإنما حظر عليه قتلا بهذه الصفة ؟ فكذلك قوله :
( إلا خطأ ) إذا كان قد اقتضى إباحة قتل الخطأ فواجب أن يكون شرط الإباحة أن يكون
عنده أنه خطأ ، وذلك محال لا يجوز وقوعه ، لأن الخطأ هو الذي لا يعلم القاتل أنه
مخطئ فيه ، والحال التي لا يعلمها لا يجوز أن يتعلق بها حظر ولا إباحة .
وقال أصحابنا : القتل على أنحاء أربعة : عمد ، وخطأ ، وشبه عمد ، وما ليس بعمد
ولا خطأ ولا شبه عمد . فالعمد ما تعمد ضربه بسلاح مع العلم بحال المقصود به .
والخطأ على ضربين ، أحدهما : أن يقصد رمي مشرك أو طائر فيصيب مسلما ، والثاني :
أن يظنه مشركا لأنه في حيز أهل الشرك أو عليه لباسهم ، فالأول خطأ في الفعل والثاني
خطأ في القصد . وشبه العمد ما تعمد ضربه بغير سلاح من حجر أو عصا ، وقد اختلف
الفقهاء في ذلك وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى . وأما ما ليس بعمد ولا شبه عمد
ولا خطأ ، فهو قتل الساهي والنائم ، لأن العمد ما قصد إليه بعينه ، والخطأ أيضا الفعل فيه
مقصود إلا أنه يقع الخطأ تارة في الفعل وتارة في القصد ، وقتل الساهي غير مقصود أصلا
فليس هو في حيز الخطأ ولا العمد ، إلا أن حكمه حكم الخطأ في الدية والكفارة .
قال أبو بكر : وقد ألحق بحكم القتل ما ليس بقتل في الحقيقة لا عمدا ولا غير
عمد ، وذلك نحو حافر البئر وواضع الحجر في الطريق إذا عطب به انسان ، هذا ليس
بقاتل في الحقيقة ، إذ ليس له فعل في قتله ، لأن الفعل منا إما أن يكون مباشرة أو
متولدا ، وليس من واضع الحجر وحافر البئر فعل في العاثر بالحجر والواقع في البئر لا
مباشرة ولا تولدا ، فلم يكن قاتلا في الحقيقة ، ولذلك قال أصحابنا : إنه لا كفارة عليه .
وكان القياس أن لا تجب عليه الدية ، ولكن الفقهاء متفقون على وجوب الدية فيه ، قال
الله تعالى : ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ) ولم يذكر في
الآية من عليه الدية من القاتل أو العاقلة .
وقد وردت آثار متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاب دية الخطأ على العاقلة ، واتفق
الفقهاء عليه ، منها ما روى الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال : " كتب
النبي صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم ويفكوا عانيهم بالمعروف
والإصلاح بين المسلمين " . وروى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه
كتب على كل بطن عقوله ، ثم كتب أنه لا يحل أن يتولى مولى رجل بغير إذنه " . وروى
مجالد عن الشعبي عن جابر : أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل غير واحدة
منهما زوج وولد ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة القاتلة وترك زوجها
أحكام القرآن — صفحة 280
مساهمون: الجصاص
ص٢٨٠