مطلب : في معنى الاستثناء في قوله تعالى : ( إلا خطأ ) وفيه فوائد شريفة
واختلف أيضا في معنى " إلا " ، فقال قائلون : هو استثناء منقطع بمعنى لكن قد
يقتله خطأ ، فإذا وقع ذلك فحكمه كيت وكيت ، وهو كما قال النابغة :
وقفت فيها أصيلا لا أسائلها * عيت جوابا وما بالربع من أحد
إلا الأواري لأياما أبينها * والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
وقال آخرون : هو استثناء صحيح قد أفاد أن له أن يقتله خطأ في بعض الأحوال ،
وهو أن يرى عليه سيما المشركين أو يجده في حيزهم فيظنه مشركا ، فجائز له قتله وهو
خطأ ، كما روي عن الزهري عن عروة بن الزبير : " أن حذيفة بن اليمان قاتل مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، فأخطأ المسلمون يومئذ بأبيه يحسبونه من العدو وكروا عليه
بأسيافهم ، فطفق حذيفة يقول : إنه أبي ! فلم يفهموا قوله حتى قتلوه ، فقال عند ذلك :
يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ! فبلغت النبي صلى الله عليه وسلم فزادت حذيفة عنده خيرا . ومن
الناس من يقول معناه : ولا خطأ ، لأن قتل المؤمن من غير مباح بحال قتال فغير جائز أن
يكون الاستثناء محمولا على حقيقته . وهذا ليس بشئ من وجهين ، أحدهما : أن " إلا "
لم توجد بمعنى " ولا " . والثاني : ما أنكره من امتناع إباحة قتل الخطأ موجود في حظره ،
لأن الخطأ إن كان لا تصح إباحته لأنه غير معلوم عنده أنه خطأ ، فكذلك لا يصح حظره
ولا النهي عنه . وقال آخرون : قد تضمن قوله : ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ )
إيجاب العقاب لقاتله لاقتضاء إطلاق النهي لذلك وأفاد بذلك استحقاق المأثم ، ثم قال :
( إلا خطأ ) فإنه لا مأثم على فاعله ، وإنما أدخل الاستثناء على ما تضمنه اللفظ من
استحقاق المأثم وأخرج منه قاتل الخطأ ، والاستثناء مستعمل في موضعه على هذا القول
غير معدول به عن وجهه ، وإنما دخل على المأثم المستحق بالقتل وأخرج قاتل الخطأ منه
ولم يدخل على فعل القاتل فيكون مبيحا لما حظره بلفظ الجملة .
قال أبو بكر : وهذا وجه صحيح سائغ ، وتأويل من تأوله على إباحة قتل الخطأ
فيمن يظنه مشركا فإنه معلوم أنه لم يصح له ذلك إلا على الصفة المشروطة إن كان ذلك
إباحة ، وهو أن يكون ذلك خطأ عند القاتل ، وإذا كان قتل المسلم الذي في حيز العدو
قصد بالقتل لا يكون خطأ عند القاتل وإنما عنده أنه قتل عمد مأمور به ، فغير جائز أن
يكون ذلك مراد الآية ، لأن الإباحة على قول هذا القائل لم يوجد شرطها وهو أن يكون
أحكام القرآن — صفحة 279
مساهمون: الجصاص
ص٢٧٩