الاسم من وجه وجب اعتبار عمومه فيه ، فلما كانت الأمة قد يتناولها اسم الإحصان على
الإطلاق في بعض الوجوه من طريق العفة أو غيرها جاز اعتبار عموم اللفظ فيه ، وإذا جاز
لك أن تقتصر باسم الإحصان على الحرية دون غيرها فجائز لغيرك أن يقتصر به على
العفاف دون غيره ، وغير جائز لنا إجمال حكم اللفظ مع إمكان استعماله على العموم ،
وقد أطلق الله اسم الإحصان على الأمة فقال تعالى : ( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة
فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) فقال بعضهم : أراد : فإذا أسلمن ، وقال
بعضهم : فإذا تزوجن ، فكان اعتبار هذا العموم سائغا في إيجاب الحد عليهن . وقد قال
في الآية : ( والمحصنات من المؤمنات ) [ المائدة : 5 ] ولم يرد به حصول جميع شرائط
الإحصان وإنما أراد به العفائف منهن ، وحرم ذوات الأزواج بقوله : ( والمحصنات من
النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) فكان عموما في تحريم ذوات الأزواج إلا ما استثناهن ،
فكذلك قوله : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) [ المائدة : 5 ] لا يمنع
ذكر الإحصان فيه من اعتبار عمومه فيمن يقع عليه الاسم من جهة العفاف على ما روي
عن السلف . ومن جهة النظر أنه لا خلاف بين الفقهاء في إباحة وطء الأمة الكتابية بملك
اليمين ، وكل من جاز وطؤها بملك اليمين جاز وطؤها بملك النكاح على الوجه الذي
يجوز عليه نكاح الحرة المنفردة ، ألا ترى أن المسلمة لما جاز وطؤها بملك اليمين جاز
وطؤها بالنكاح ، وأن الأخت من الرضاعة وأم المرأة وحليلة الابن وما نكح الآباء لما لم
يجز وطؤهن بملك اليمين حرم وطؤهن بالنكاح ؟ فلما اتفق الجميع على جواز وطء الأمة
الكتابية بملك اليمين وجب جواز وطئها بالنكاح على الوجه الذي يجوز فيه وطء الحرة
المنفردة .
فإن قيل : قد يجوز وطء الأمة الكتابية بملك اليمين ولا يجوز بالنكاح كما إذا كانت
تحته حرة . قيل له : لم نجعل ما ذكرنا علة لجواز نكاحها في سائر الأحوال ، وإنما
جعلناه علة لجواز نكاحها منفردة غير مجموعة إلى غيرها ، ألا ترى أن الأمة المسلمة
يجوز وطؤها بملك اليمين ويجوز نكاحها منفردة ، ولو كانت تحته حرة لما جاز نكاحها
لأنه لم يجز نكاحها من طريق جمعها إلى الحرة كما لا يجوز نكاحها لو كانت أختها تحته
وهي أمة ؟ فعلتنا صحيحة مستمرة جارية في معلولاتها غير لازم عليها ما ذكرت ، إذ كانت
منصوبة لجواز نكاحها منفردة غير مجموعة إلى غيرها ، وبالله التوفيق .
باب نكاح الأمة بغير إذن مولاها
قال الله تعالى : ( فانكحوهن بإذن أهلهن ) . قال أبو بكر : قد اقتضى ذلك بطلان
نكاح الأمة إلا أن يأذن سيدها ، وذلك لأن قوله تعالى : ( فانكحوهن بإذن أهلهن ) يدل
أحكام القرآن — صفحة 207
مساهمون: الجصاص
ص٢٠٧