نكاح الكتابيات نازلا بعده فيكون مستعملا أيضا ، أو أن يكون حظر نكاح المشركات
متأخرا عن إباحة نكاح الكتابيات ، فإن كان كذلك فإنه ورد مرتبا على إباحة نكاح
الكتابيات ، فالإباحة مستعملة في الأحوال كلها كيف تصرف الحال . وعلى أنه لا خلاف
أن قوله : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) [ المائدة : 5 ] نزل بعد
تحريمه نكاح المشركات ، لأن آية تحريم المشركات في سورة البقرة ، وإباحة نكاح
الكتابيات في سورة المائدة وهي نزلت بعدها ، فهي قاضية على تحريم المشركات إن كان
إطلاق اسم المشركات يتناول الكتابيات . ثم لما تفرق الآية المبيحة لنكاح الكتابيات
بين الحرائر منهن وبين الإماء واقتضى عمومها الفريقين منهن ، وجب استعمالها فيهما
جميعا وأن لا يعترض بتحريم نكاح المشركات عليهن كما لم يجز الاعتراض به على
الحرائر منهن . وأما تخصيص الله تعالى المؤمنات من الإماء في قوله : ( من فتياتكم
المؤمنات ) فقد بينا في المسألة المتقدمة أن التخصيص بالذكر لا يدل على أن ما عدا
المخصوص حكمه بخلافه .
فإن قيل : لا يصح الاحتجاج بقوله : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من
قبلكم ) [ المائدة : 5 ] في إباحة النكاح ، وذلك لأن الإحصان اسم مشترك يتناول معاني
مختلفة ، وليس بعموم فيجري على مقتضى لفظه بل هو مجمل موقوف الحكم على
البيان ، فما ورد به البيان من توقيف أو اتفاق صرنا إليه وكان حكم الآية مقصورا عليه ،
وما لم يرد به بيان فهو على إجماله لا يصح الاحتجاج بعمومه ، فلما اتفق الجميع على أن
الحرائر من الكتابيات مرادات به استعملنا حكم الآية فيهن ، ولما لم تقم الدلالة على
إرادة الإماء الكتابيات احتجنا في إثباتها إلى دليل من غيرها . قيل له : لما روي عن
جماعة من السلف في قوله : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) [ المائدة : 5 ] أنهن
العفائف منهن ، إذا كان اسم الإحصان يقع على العفة ، وجب اعتبار عموم اللفظ في جميع
العفائف ، إذ قد ثبت أن العفة مرادة بهذا الإحصان ، وما عدا ذلك من ضروب الإحصان
لم تقم الدلالة على أنها مرادة . وقد اتفقوا على أنه ليس من شرط هذا الإحصان استكمال
شرائطه كلها ، فما وقع عليه الاسم واتفق الجميع أنه مراد أثبتناه ، وما عداه يحتاج مثبته
شرطا في الإباحة إلى دلالة .
فإن قيل : اسم الإحصان يقع على الحرية ، فما أنكرت أن يكون المراد بقوله :
( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) [ المائدة : 5 ] الحرائر منهن ؟ قيل له :
لما كان معلوما أنه لم يرد بذكر الإحصان في هذا الموضع استيفاء شرائطه ، لم يجز لأحد
أن يقتصر بمعنى الإحصان فيه على بعض ما يقع عليه الاسم دون بعض ، بل إذا تناوله
أحكام القرآن — صفحة 206
مساهمون: الجصاص
ص٢٠٦