الكتاب من قبلكم ) [ المائدة : 5 ] قال : " إحصانها أن تغتسل من الجنابة وتحصن فرجها
من الزنا " . فثبت بذلك أن اسم الإحصان قد يتناول الكتابية ، قال تعالى : ( والمحصنات
من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) فاستثنى ملك اليمين من المحصنات ، فدل على أن
الاسم يقع عليهن لولا ذلك لما استثناهن ، وقال تعالى : ( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة )
فأطلق اسم الإحصان في هذا الموضع على الإماء . ولما ثبت أن اسم المحصنات يقع
على الكتابيات من الحرائر والإماء وأطلق الله نكاح الكتابيات المحصنات بقوله :
( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) [ المائدة : 5 ] كان عاما في الحرائر
والإماء منهن .
فإن احتجوا بقوله : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) [ البقرة : 221 ] وكانت
هذه مشركة ، وقال في آية أخرى : ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات
المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ) ، فكانت إباحة نكاح الإماء
مقصورة على المسلمات منهن دون الكتابيات ، وجب أن يكون نكاح الإماء الكتابيات
باقيا على حكم الحضر . قيل له : إطلاق اسم المشركات لا يتناول الكتابيات وإنما يقع
على عبدة الأوثان دون غيرهم ، لأن الله تعالى قد فرق بينهما في قوله : ( لم يكن الذين
كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ) [ البينة : 1 ] فعطف المشركين على أهل
الكتاب ، وهذا يدل على أن إطلاق الاسم إنما يتناول عبدة الأوثان دون غيرهم فلم يعم
الكتابيات ، فغير جائز الاعتراض به في حظر نكاح الإماء الكتابيات . وأيضا فلا خلاف
بين فقهاء الأمصار أن قوله : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) [ المائدة :
5 ] قاض على قوله : ( ولا تنكحوا المشركات ) [ البقرة : 221 ] ، وذلك لأنهم لا
يختلفون في جواز نكاح الحرائر الكتابيات ، فليس يخلو حينئذ قوله : ( ولا تنكحوا
المشركات ) [ البقرة : 221 ] من أن يكون عاما في إطلاقه للكتابيات والوثنيات أو أن
يكون إطلاقه مقصورا على الوثنيات دون الكتابيات ، فإن كان الإطلاق إنما يتناول
الوثنيات دون الكتابيات فالسؤال عنا ساقط فيه ، إذ ليس بناف فيه لنكاح الكتابيات ، وإن
كان الإطلاق ينتظم الصنفين جميعا لو حملناه على ظاهره فقد اتفقوا أنه مرتب على قوله :
( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) [ المائدة : 5 ] لاتفاق الجميع على
استعماله معه في الحرائر منهن . وإذا كان كذلك لم يخل من أن تكون الآيتان نزلتا معا ،
أو أن تكون إباحة نكاح الكتابيات متأخرة عن حظر نكاح المشركات ، أو أن يكون حظر
نكاح المشركات متأخرا عن إباحة نكاح الكتابيات . فإن كانتا نزلتا معا فهما مستعملتان
جميعا على جهة ترتيب حظر نكاح المشركات على إباحة نكاح الكتابيات ، أو أن يكون
أحكام القرآن — صفحة 205
مساهمون: الجصاص
ص٢٠٥