قوله تعالى ( واستشهدوا رجلين من الأحرار ) فغير جائز لأحد اسقاط شرط الحرية ، لأنه
لو جاز ذلك لجاز اسقاط العدد ، وفي ذلك دليل على أن الآية قد تضمنت بطلان شهادة
العبيد .
واختلف أهل العلم في شهادة العبيد ، فروى قتادة عن الحسن عن علي قال :
( شهادة الصبي على الصبي والعبد على العبد جائزة ) . وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال :
حدثنا عبد الله بن أحمد قال : حدثني أبي قال : حدثنا عبد الرحمن بن همام قال : سمعت
قتادة يحدث ( أن عليا رضي الله عنه كان يستثبت الصبيان ( 1 ) في الشهادة ) وهذا يوهن
الحديث الأول . وروى حفص بن غياث عن المختار بن فلفل عن أنس قال : ( ما أعلم
أحدا رد شهادة العبد ) . وقال عثمان البتي : ( تجوز شهادة العبد لغير سيده ) . وذكر أن ابن
شبرمة كان يراها جائزة ، يأثر ذلك عن شريح . وكان ابن أبي ليلى لا يقبل شهادة العبيد ،
وظهرت الخوارج على الكوفة وهو يتولى القضاء بها ، فأمروه بقبول شهادة العبيد وبأشياء
ذكروها له من آرائهم كان على خلافها ، فأجابهم إلى امتثالها فأقروه على القضاء ، فلما
كان في الليل ركب راحلته ولحق بمكة ، ولما جاءت الدولة الهاشمية ردوه إلى ما كان
عليه من القضاء على أهل الكوفة . وقال الزهري عن سعيد بن المسيب قال : ( قضى
عثمان بن عفان أن شهادة المملوك جائزة بعد العتق إذا لم تكن ردت قبل ذلك ) . وروى
شعبة عن المغيرة قال : ( كان إبراهيم يجير شهادة المملوك في الشئ التافه ) . وروى شعبة
أيضا عن يونس عن الحسن مثله . وروى عن الحسن أنها لا تجوز . وروي عن حفص عن
حجاج عن عطاء عن ابن عباس قال : ( لا تجوز شهادة العبد ) . وقال أبو حنيفة
وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة في إحدى الروايتين ومالك والحسن بن صالح
والشافعي : ( لا تقبل شهادة العبيد في شئ ) .
قال أبو بكر : وقد قدمنا ذكر الدلالة من الآية على أن الشهادة المذكورة فيها
مخصوصة بالأحرار دون العبيد ، ومما يدل من الآية على نفي شهادة العبد قوله تعالى :
( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) فقال بعضهم : إذا دعي فليشهد ، وقال بعضهم : إذا كان
قد أشهد ، وقال بعضهم : هو واجب في الحالين . والعبد ممنوع من الإجابة لحق المولى
وخدمته وهو لا يملك الإجابة ، فدل أنه غير مأمور بالشهادة ، ألا ترى أنه ليس له أن
يشتغل عن خدمة مولاه بقراءة الكتاب وإملائه والشهادة ؟ ولما لم يدخل في خطاب الحج
والجمعة لحق المولى فكذلك الشهادة ، إذ كانت الشهادة غير متعينة على الشهداء وإنما
هامش
( 1 ) قوله ( يستثبت الصبيان ) أي يسألهم ويستعلم منهم فليس المراد استشهادهم ولذلك قال المصنف وهذا
يوهن الحديث الأول ( لمصححه )