إطلاق النبي صلى الله عليه وسلم له التصرف على الشريطة التي ذكرها دلالة على أن الحجر غير واجب ،
وأن نهي النبي صلى الله عليه وسلم له بديا عن البيع وقوله : ( فقل لا خلابة ) على وجه النظر له والاحتياط
لماله ، كما تقول لمن يريد التجارة في البحر أو في طريق مخوف : ( لا تغرر بمالك
واحفظه ) وما جرى مجرى ذلك ، وليس هذا بحجر ، وإنما هو مشورة وحسن نظر . ومما
يدل على بطلان الحجر أنهم لا يختلفون أن السفيه يجوز إقراره بما يوجب الحد
والقصاص ، وذلك مما تسقطه الشبهة ، فوجب أن يكون إقراره بحقوق الآدميين التي لا
تسقطها الشبهة أولى .
فإن قال قائل : المريض جائز الإقرار بما يوجب الحد والقصاص ولا يجوز إقراره
ولا هبته إذا كان عليه دين يحيط بماله ، فليس جواز الإقرار بالحد والقصاص أصلا
للإقرار بالمال والتصرف فيه . قيل له : إن إقرار المريض عندنا بجميع ذلك جائز ، وإنما
نبطله إذا اتصل بمرضه الموت ، لأن تصرفه مراعى معتبر بالموت ، فإذا مات صار تصرفه
واقعا في حق الغير الذي هو أولى منه به وهم الغرماء والورثة ، فأما تصرفه في الحال فهو
جائز ما لم يطرأ الموت ، ألا ترى أنا لا نفسخ هبته ولا نوجب السعاية على من أعتقه من
عبيده حتى يحدث الموت ؟ فإقراره بالحد والقصاص والمال غير متفرقين في حال
الحياة .
ومما يحتج به مثبتو الحجر قوله تعالى : ( ولا تبذر تبذيرا ) [ الإسراء : 21 ] وقوله
تعالى : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) [ الإسراء : 29 ] الآية : فإذا كان التبذير
مذموما منهيا عنه ، وجب على الإمام المنع منه ، وذلك بأن يحجر عليه ويمنعه التصرف
في ماله ، وكذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال يقتضي منعه عن إضاعته بالحجر عليه .
وهذا لا دلالة فيه على الحجر ، لأنا نقول : إن التبذير محظور وينهى فاعله عنه ، وليس في
النهي عن التبذير ما يوجب الحجر ، لأنه إنما ينبغي أن يمنعه التبذير فإما أن يمنعه من
التصرف في ماله ويبطل بياعاته وإقراره وسائر وجوه تصرفه فإن هذا الموضع هو الذي فيه
الخلاف بيننا وبين خصومنا ، وليس في الآية ما يوجب المنع من شئ منه ، وذلك لأن
الإقرار نفسه ليس من التبذير في شئ ، لأنه لو كان مبذرا لوجب منع سائر المقرين من
إقرارهم . وكذلك البيع بالمحاباة لا تبذير فيه ، لأنه لو كان مبذرا لوجب أن ينهى عنه سائر
الناس ، وكذلك الهبة والصدقة . وإذا كان كذلك فالذي تقتضيه الآية النهي عن التبذير وذم
فاعله ، فكيف يجوز الاستدلال بها على الحجر في العقود التي لا تبذير فيها ؟ وقد يصح
الاستدلال لمحمد لأنه يجيز من عقوده مالا محاباة فيه ولا إتلاف لماله ، إلا أن الذي في
الآية إنما هو ذم المبذرين والنهي عن التبذير ، ومن ينفي الحجر يقول إن التبذير مذموم
منهي عن فعله ، فأما الحجر ومنع التصرف فليس في الآية إيجابه ، ألا ترى أن الانسان
أحكام القرآن — صفحة 597
مساهمون: الجصاص
ص٥٩٧