عن أبيه قال : جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي : يا
رسول الله إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي ، فقال الكندي : هي أرضي في يدي
أزرعها ليس له فيها حق . فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي : ( ألك بينة ) قال : لا ! قال : ( فلك
يمينه ) فقال : يا رسول الله إنه فاجر ليس يبالي ما حالف ليس يتورع من شئ ، فقال : ( ليس
لك منه إلا ذلك ) . فلو كان الفجور يوجب الحجر لسأل صلى الله عليه وسلم عن حاله أو لأبطل خصومته
لإقرار الخصم بأنه محجور عليه غير جائز الخصومة . ولا خلاف بين الفقهاء أن المسلمين
والكفار سواء في جواز التصرف في الأملاك ونفاذ العقود والإقرارات ، والكفر أعظم
الفسوق وهو غير موجب للحجر ، فكيف يوجبه الفسق الذي هو دونه ؟ وهذا ما لا خلاف
فيه بين الفقهاء أن المسلمين والكفار سواء في جواز التصرف والإملاك ونفاذ العقود .
قوله عز وجل : ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) قال أبو بكر : لما كان ابتداء
الخطاب للمؤمنين في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل ) ثم عطف
عليه قوله تعالى : ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) دل ذلك على معنيين : أحدهما أن
يكون من صفة الشهود ، لأن الخطاب توجه إليهم بصفة الإيمان ، ولما قال في نسق
الخطاب : ( من رجالكم ) كان كقوله من رجال المؤمنين ، فاقتضى ذاك كون الإيمان
شرطا في الشهادة على المسلمين . والمعنى الآخر : الحرية ، وذلك لما في فحوى
الخطاب من الدلالة من وجهين : أحدهما قوله تعالى : ( إذا تداينتم بدين ) إلى قوله
تعالى : ( وليملل الذي عليه الحق ) وذلك في الأحرار دون العبيد ، والدليل عليه أن العبد
لا يملك عقود المداينات وإذا أقر بشئ لم يجز إقراره إلا بإذن مولاه ، والخطاب إنما
توجه إلى من يملك ذلك على الإطلاق من غير إذن الغير ، فدل ذلك على أن من شرط
هذه الشهادة الحرية . والمعنى الآخر من دلالة الخطاب : قوله تعالى : ( من رجالكم )
فظاهر هذا اللفظ يقتضي الإحراز ، كقوله تعالى : ( وأنكحوا الأيامى منكم ) [ النور : 32 ]
يعني الأحرار ، ألا ترى أنه عطف عليه قوله تعالى : ( والصالحين من عبادكم وإمائكم )
[ النور : 32 ] فلم يدخل العبيد في قوله تعالى ( منكم ) ؟ وفي ذلك دليل على أن من شرط
هذه الشهادة الاسلام والحرية جميعا ، وأن شهادة العبد غير جائزة ، لأن أوامر الله تعالى
على الوجوب وقد أمر باستشهاد الأحرار فلا يجوز غيرهم . وقد روى عن مجاهد في قوله
تعالى : ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) قال : ( الأحرار ) .
فإن قيل : إن ما ذكرت إنما يدل على أن العبد غير داخل في الآية ولا دلالة فيها
على بطلان شهادته . قيل له : لما ثبت بفحوى خطاب الآية أن المراد بها الأحرار ، كان
قوله تعالى : ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) أمرا مقتضيا للإيجاب ، وكان بمنزلة
أحكام القرآن — صفحة 599
مساهمون: الجصاص
ص٥٩٩