المداينات ، وكذلك قوله تعالى : ( وليملل الذي عليه الحق ) لم يدخل فيه الصبي ، لأن
إقراره لا يجوز ، وكذلك قوله : ( وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا ) لا يصح أن يكون
خطابا للصبي ، لأنه ليس من أهل التكليف فيلحقه الوعيد . ثم قوله : ( واستشهدوا
شهيدين من رجالكم ) وليس الصبيان من رجالنا ، ولما كان ابتداء الخطاب بذكر البالغين
كان قوله : ( من رجالكم ) عائدا عليهم ، ثم قوله : ( ممن ترضون من الشهداء ) يمنع
أيضا جواز شهادة الصبي ، وكذلك قوله : ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) هو نهي وللصبي
أن يأبى من إقامة الشهادة وليس للمدعي إحضاره لها ، ثم قوله : ( ولا تكتموا الشهادة
ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) غير جائز أن يكون خطابا للصغار فلا يلحقهم المأثم بكتمانها ،
ولما لم يجز أن يلحقه ضمان بالرجوع دل على أنه ليس من أهل الشهادة ، لأن كل من
صحت شهادته لزمه الضمان عند الرجوع . وأما إجازة شهادتهم في الجراح خاصة وقبل
أن يتفرقوا ويجيئوا . فإنه تحكم بلا دلالة وتفرقة بين من لا فرق فيه في أثر ولا نظر ، لأن
في الأصول أن كل من جازت شهادته في الجراح فهي جائزة في غيرها . وأما اعتبار
حالهم قبل أن يتفرقوا ويجيئوا فإنه لا معنى له ، لأنه جائز أن يكون هؤلاء الشهود هم
الجناة ويكون الذي حملهم على الشهادة الخوف من أن يؤخذوا به ، وهذا معلوم من
عادة الصبيان إذا كان منهم جناية أحالته بها على غيره خوفا من أن يؤخذ بها . وأيضا لما
شرط الله في الشهادة العدالة وأوعد شاهد الزور ما أوعده به ومنع من قبول شهادة الفساق
ومن لا يزع عن الكذب احتياطا لأمر الشهادة ، فكيف تجوز شهادته من هو غير مأخوذ
بكذبه وليس له حاجز يحجزه عن الكذب ولا حياء يردعه ولا مروءة تمنعه ؟ وقد يضرب
الناس المثل بكذب الصبيان فيقولون : ( هذا أكذب من صبي ) فكيف يجوز قبول شهادة
من هذا حاله ؟ فإن كان إنما اعتبر حالهم قبل تفرقهم وقبل أن يعلمهم غيرهم ، لأنه لا
يتعمد الكذب دون تلقين غيره ، فليس ذلك كما ظن ، لأنهم يتعمدون الكذب من غير مانع
يمنعهم ، وهم يعرفون الكذب كما يعرفون الصدق إذا كانوا قد بلغوا الحد الذي يقومون
بمعنى الشهادة والعبارة عما شهدوا ، وقد يتعمدون الكذب لأسباب عارضة ، منها :
خوفهم من أن تنسب إليهم الجناية ، أو قصدا للمشهود عليه بالمكروه ، ومعان غير ذلك
معلومة من أحوالهم ، فليس لأحد أن يحكم لهم بصدق الشهادة قبل أن يتفرقوا ، كما لا
يحكم لهم بذلك بعد التفرق . وعلى أنه لو كان كذلك وكان العلم حاصلا بأنهم لا
يكذبون ولا يتعمدون لشهادة الزور ، فينبغي أن تقبل شهادة الإناث كما تقبل شهادة
الذكور ، وتقبل شهادة الواحد كما تقبل شهادة الجماعة ، فإذا اعتبر العدد في ذلك وما
يجب اعتباره في الشهادة من اختصاصها في الجراح بالذكور دون الإناث ، فواجب أن
أحكام القرآن — صفحة 603
مساهمون: الجصاص
ص٦٠٣