هشام بن عروة عن أبيه قال : كان الرجل إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها
كان ذلك له وإن طلقها ألف مرة ، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها ، حتى إذا شارفت انقضاء
العدة راجعها ثم طلقها ، ثم قال : والله لا آويك إلي ولا تحلين مني أبدا ! فأنزل الله تعالى :
( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) فاستقبل الناس الطلاق جديدا من
يومئذ ، من كان منهم طلق أو لم يطلق . وروى شيبان عن قتادة في قوله تعالى :
( وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ) وقال : في القروء الثلاثة ، ثم قال : الطلاق مرتان لكل
مرة قرء ، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها فجعل الله حد الطلاق ثلاثا ، فجعله أحق
برجعتها ما لم تطلق ثلاثا .
باب عدد الطلاق
قال الله عز وجل : ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) قال
أبو بكر : قد ذكرت في معناه وجوه : أحدها أنه بيان للطلاق الذي نثبت معه الرجعة ،
يروى ذلك عن عروة بن الزبير وقتادة . والثاني : أنه بيان لطلاق السنة المندوب إليه ،
ويروى ذلك عن ابن عباس ومجاهد . والثالث : أنه أمر بأنه إذا أراد أن يطلقها ثلاثا فعليه
تفريق الطلاق ، فيتضمن الأمر بالطلاق مرتين ثم ذكر بعدهما الثالثة . قال أبو بكر : فأما
قول من قال : إنه بيان لما يبقى معه الرجعة من الطلاق ، فإنه وإن ذكر معه الرجعة عقيبه
فإن ظاهره يدل على أنه قصد به بيان المباح منه وأما ما عداه فمحظور ، وبين مع ذلك
حكمه إذا أوقعه على الوجه المأمور به بذكر الرجعة عقيبه . والدليل على أن المقصد فيه
الأمر بتفريق الطلاق وبيان حكم ما يتعلق بإيقاع ما دون الثلاث من الرجعة ، أنه قال :
( الطلاق مرتان ) وذلك يقتضي التفريق لا محالة ، لأنه لو طلق اثنتين معا لما جاز أن
يقال طلقها مرتين ، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال أعطاه مرتين ،
حتى يفرق الدفع ، فحينئذ يطلق عليه . وإذا كان هذا هكذا ، فلو كان الحكم المقصود
باللفظ هو ما تعلق بالتطليقتين من بقاء الرجعة ، لأدى ذلك إلى اسقاط فائدة ذكر
المرتين ، إذ كان هذا الحكم ثابتا في المرة الواحدة إذا طلق اثنتين ، فثبت بذلك أن ذكره
للمرتين إنما هو أمر بإيقاعه مرتين ونهي عن الجمع بينهما في مرة واحدة ، ومن جهة
أخرى أنه لو كان اللفظ محتملا للأمرين لكان الواجب حمله على إثبات الحكم في
إيجاب الفائدتين ، وهو الأمر بتفريق الطلاق متى أراد يطلق اثنتين وبيان حكم الرجعة
إذا طلق كذلك ، فيكون اللفظ مستوعبا للمعنيين . وقوله تعالى : ( الطلاق مرتان ) وإن
كان ظاهره الخبر فإن معناه الأمر ، كقوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة
قروء ) ( والوالدات يرضعن أولادهن ) وما جرى هذا المجرى مما هو في صيغة الخبر
أحكام القرآن — صفحة 458
مساهمون: الجصاص
ص٤٥٨