عن إبراهيم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يستحبون أن لا يزيدوا في الطلاق على
واحدة حتى تنقضي العدة ، وأن هذا عندهم أفضل من أن يطلقها ثلاثا عند كل طهر
واحدة ) .
وقال مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون والليث بن سعد والحسن بن صالح
والأوزاعي : ( طلاق السنة أن يطلقها في طهر قبل الجماع تطليقة واحدة ويكرهون أن
يطلقها ثلاثا في ثلاثة أطهار ، لكنه إن لم يرد رجعتها ) تركها حتى تنقضي عدتها من
الواحدة ) . وقال الشافعي فيما رواه عنه المزني : ( لا يحرم عليه أن يطلقها ثلاثا ، ولو قال
لها أنت طالق ثلاثا للسنة وهي طاهر من غير جماع ، طلقت ثلاثا معا ) . قال أبو بكر :
فنبدأ بالكلام على الشافعي في ذلك ، فنقول : إن دلالة الآية التي تلونا ظاهرة في بطلان
هذه المقالة ، لأنها تضمنت الأمر بإيقاع الاثنتين في مرتين ، فمن أوقع الاثنتين في مرة فهو
مخالف لحكمها ، ومما يدل على ذلك قوله تعالى : ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله
لكم ) [ المائدة : 87 ] وظاهره يقتضي تحريم الثلاث لما فيها من تحريم ما أحل لنا من
الطيبات . والدليل على أن الزوجات قد تناولهن هذا العموم قوله تعالى : ( فانكحوا ما
طاب لكم من النساء ) [ النساء : 3 ] فوجب بحق العموم حظر الطلاق الموجب لتحريمها ،
ولولا قيام الدلالة في إباحة إيقاع الثلاث في وقت السنة وإيقاع الواحدة لغير المدخول بها
لاقتضت الآية حظره . ومن جهة أخرى من دلائل الكتاب ، أن الله تعالى لم يبح الطلاق
ابتداء لمن تجب عليها العدة لا مقرونا بذكر الرجعة ، منها قوله تعالى : ( الطلاق مرتان
فإمساك بمعروف ) وقوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) وقوله
تعالى : ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ) أو
فارقوهن بمعروف ، فلم يبح الطلاق المبتدأ لذوات العدد إلا مقرونا بذكر الرجعة . وحكم
الطلاق مأخوذ من هذه الآيات ، لولاها لم يكن الطلاق من أحكام الشرع ، فلم يجز لنا
إثباته مسنونا إلا على هذه الشريطة وبهذا الوصف . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أدخل في أمرنا
ما ليس منه فهو رد ) وأقل أحوال هذا اللفظ حظر خلاف ما تضمنته الآيات التي تلونت من
إيقاع الطلاق المبتدأ مقرونا بما يوجب الرجعة .
ويدل عليه من جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا
القعنبي عن مالك عن ابن عمر : أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : ( مره فليراجعها ثم ليمسكها
حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق قبل أن يمس ،
فتلك العدة أمر الله أن يطلق لها النساء ) . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود
قال : حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا عنبسة قال : حدثنا يونس عن ابن شهاب قال :
أحكام القرآن — صفحة 460
مساهمون: الجصاص
ص٤٦٠