ومما تضمنه قوله تعالى : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) من الدلالة على
الأحكام إيجاب مهر المثل إذا لم يسم لها مهرا ، لأنه قد ملك عليها بضعها بالعقد
واستحق عليها تسليم نفسها إليه ، فعليه لها مثل ملكه عليها ، ومثل البضع هو قيمته وهي
مهر المثل ، كقوله تعالى : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم )
[ البقرة : 194 ] فقد عقل به وجوب قيمة ما يستملكه عليه بما لا يمثل له من جنسه ،
وكذلك مثل البضع هو مهر المثل .
وقوله تعالى : ( بالمعروف ) يدل على أن الواجب من ذلك مالا شطط فيه ولا
تقصير ، كما قال صلى الله عليه وسلم في المتوفى عنها زوجها ولم يسم لها مهرا ولم يدخل بها : ( لها مهر
مثل نسائها ولا وكس ولا شطط ) وقوله : ( أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل
فإن دخل بها فلها مهر مثل نسائها ولا وكس ولا شطط ) فهذا هو المعنى المعروف
المذكور في الآية . وقد دلت الآية أيضا على أنه لو تزوجها على أنه لا مهر لها أن المهر
واجب لها ، إذ لم تفرق بين من شرط نفي المهر في النكاح وبين من لم يشرط في إيجابه
لها مثل الذي عليها .
وقوله : ( وللرجال عليهن درجة ) قال أبو بكر : مما فضل به الرجل على المرأة ما
ذكره الله من قوله تعالى : ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض )
[ النساء : 34 ] فأخبر بأنه مفضل عليها بأن جعل قيما عليها . وقال تعالى : ( وبما أنفقوا
من أموالهم ) [ النساء : 34 ] فهذا أيضا مما يستحق به التفضيل عليها . ومما فضل به عليها
ما ألزمها الله من طاعته بقوله تعالى : ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ) [ النساء :
34 ] . ومن درجات التفضيل ما أباحه للزوج من ضربها عند النشوز وهجران فراشها .
ومن وجوه التفضيل عليها ما ملك الرجل من فراقها بالطلاق ولم تملكه . ومنها أنه جعل
له أن يتزوج عليها ثلاثا سواها ولم يجعل لها أن تتزوج غيره ما دامت في حباله أو في
عدة منه . ومنها زيادة الميراث على قسمها . ومنها أن عليها أن تنتقل إلى حيث يريد
الزوج وليس على الزوج اتباعها في النقلة والسكنى ، وأنه ليس لها أن تصوم تطوعا إلا
بإذن زوجها .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ضروب أخر من التفضيل سوى ما ذكرنا ، منها حديث
إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا ينبغي لبشر أن
يسجد لبشر ، ولو كان ذلك كان النساء لأزواجهن ) ، وحديث خلف بن خليفة عن حفص
ابن أخي أنس عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ، ولو
صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ، والذي
أحكام القرآن — صفحة 455
مساهمون: الجصاص
ص٤٥٥