محلي حيث حبستني ) فجعل المحل في هذا الموضع اسما للمكان . فلما كان محتملا
للأمرين ولم يكن هدي الإحصار في العمرة موقنا عند الجميع وهو لا محالة مراد بالآية ،
وجب أن يكون مراده المكان ، فاقتضى ذلك أن لا يحل حتى يبلغ مكانا غير مكان
الإحصار ، لأنه لو كان موضع الإحصار محلا للهدي لكان بالغا محله بوقوع الإحصار
ولأدى ذلك إلى بطلان الغاية المذكورة في الآية ، فدل ذلك على أن المراد بالمحل هو
الحرم ، لأن كل من لا يجعل موضع الإحصار محلا للهدى فإنما يجعل المحل الحرم ،
ومن جعل محل الهدى موضع الاحصار أبطل فائدة الآية وأسقط معناها . ومن جهة
أخرى ، وهو أن قوله : ( وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) [ الحج : 30 ] إلى
قوله : ( لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ) [ الحج : 33 ]
ودلالته على صحة قولنا في المحل موجهين : أحدهما عمومه في سائر الهدايا ،
والآخر : ما فيه من بيان معنى المحل الذي أجمل ذكره في قوله : ( حتى يبلغ الهدي
محله ) فإذا كان الله قد جعل المحل البيت العتيق ، فغير جائز لأحد أن يجعل المحل
غيره .
ويدل عليه قوله في جزاء الصيد : ( هديا بالغ الكعبة ) [ المائدة : 95 ] فجعل بلوغ
الكعبة من صفات الهدي ، فلا يجوز شئ منه دون وجوده فيه . كما إنه لما قال في الظهار
وفي القتل : ( فصيام شهرين متتابعين ) [ النساء : 92 ] فقيدهما بفعل التتابع ، لم يجز
فعلهما إلا على هذا الوجه . وكذلك قوله : ( فتحرير رقبة مؤمنة ) [ النساء : 92 ] لا يجوز
إلا على الصفة المشروطة . وكذلك قال أصحابنا في سائر الهدايا التي تذبح إنها تجوز
إلا في الحرم .
ويدل عليه أيضا قوله في سياق الخطاب بعد ذكر الإحصار ( فمن كان منكم مريضا
أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) فأوجب على المحصر دما ونهاه
عن الحلق حتى يذبح هديه ، فلو كان ذبحه في الحل جائز الذبح صاحب الأذى هديه عن
الإحصار وحل به واستغنى عن فدية الأذى ، فدل ذلك على أن الحل ليس بمحل الهدي .
فإن قيل : هذا فيمن لا يجد هدي الإحصار . قيل له : لا يجوز أن يكون ذلك خطابا
فيمن لا يجد الدم . لأنه خيره بين الصيام والصدقة والنسك ، ولا يكون مخيرا بين الأشياء
الثلاثة إلا وهو واجد لها ، لأنه لا يجوز التخيير بين ما يجد وبين مالا يجد ، فثبت بذلك
أن محل الهدي هو الحرم دون محل الإحصار .
ومن جهة النظر ، لما اتفقوا في جزاء الصيد أن محله الحرم وأنه لا يجزي في
أحكام القرآن — صفحة 331
مساهمون: الجصاص
ص٣٣١