ومما يحتج به في ذلك : حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ألا إن قتيل خطأ العمد
قتيل السوط والعصا فيه الدية مغلظة ) وقتيل الصبي والبالغ والمجنون والعاقل والمخطئ
والعامد هو خطأ العمد من وجهين أحدهما : أن النبي عليه السلام فسر قتل خطأ العمد
بأنه قتيل السوط والعصا ، فإذا اشترك مجنون معه عصا وعاقل معه السيف فهو قتيل خطأ
العمد لقضية النبي عليه السلام ، فالواجب أن لا قصاص فيه . والوجه الآخر : أن عمد
الصبي والمجنون خطأ ، لأن القتل لا يخلو من أحد ثلاثة أوجه : إما خطأ أو عمد أو شبه
عمد ، فلما لم يكن قتل الصبي والمجنون عمدا وجب أن يكون في أحد الحيزين الآخرين
من الخطأ أو شبه العمد ، وأيهما كان فقد اقتضى ظاهر لفظ النبي صلى الله عليه وسلم اسقاط القود عن
مشاركه في القتل ، لأنه قتيل خطأ أو قتيل خطأ العمد . وأيضا فإنه أوجب فيمن استحق
هذه التسمية دية مغلظة ، ومتى وجبت الدية كاملة انتفى القود بالاتفاق .
فإن قيل : إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( قتيل خطأ العمد ) إذا انفرد بقتله بالسوط
والعصا قيل له : مشاركة غيره فيه بالسيف لا تخرجه من أن يكون قتيل السوط والعصا
وقتيل خطأ ، لأن كل واحد منهما من حيث كان قاتلا وجب أن يكون هو قتيلا لكل واحد
منهما ، فاشتمل لفظ النبي عليه السلام على المعنيين ، وانتفى به القصاص في الحالين .
ويدل على صحة ما ذكرنا وأنه غير جائز اختلاف حكم مشاركة المجنون للعاقل
والمخطئ للعامد ، أن رجلا لو جرح رجلا وهو مجنون ثم أفاق وجرحه أخرى بعد
الإفاقة ثم مات المجروح منهما ، أنه لا قود على القاتل ، كما لو جرحه خطأ ثم جرحه
عمدا ومات منهما لم يجب عليه القود ، وكذلك لو جرحه مرتدا ثم أسلم ثم جرحه ومات
من الجراحتين لم يكن على الجارح القود . وذلك يدل على معنيين ، أحدهما : أن موته
من جراحتين إحداهما غير موجبة للقود والأخرى موجبة يوجب اسقاط القود ، ولم يكن
لانفراد الجراحة التي لا شبهة فيها عن الأخرى حكم في إيجاب القود ، بل كان الحكم
للتي لم توجب قودا ، فوجب على هذا أنه إذا مات من جراحة رجلين أحدهما لو انفرد
أوجبت جراحته القود والأخرى لا توجبه أن يكون حكم سقوطه أولى من حكم إيجابه
لحدوث الموت منهما ، فكان حكم ما يوجب سقوط القود أولى من حكم ما يوجبه ،
والعلة فيهما موته من جراحتين إحداهما مما توجب القود والأخرى مما لا توجبه .
والمعنى الآخر : ما قسمنا الكلام عليه بديا ، هو أنه لا فرق بين المخطئ والعامد وبين
المجنون والعاقل عند الاشتراك ، كما لم تختلف جناية المجنون في حال جنونه ثم في
حال إفاقته إذا حدث الموت منهما وجناية الخطأ والعمد إذا حدث الموت منهما في
سقوط القود في الحالين ، كذلك ينبغي أن لا يختلف حكم جناية الصحيح لمشاركة
أحكام القرآن — صفحة 182
مساهمون: الجصاص
ص١٨٢