الواجب على الشريك الذي لم يستحق عليه القود قسطه من الدية دون جميعها ، ثبت أن
الجميع قد صار في حكم الخطأ ، لولا ذلك لوجب جميع الدية ، ألا ترى أنهم لو كانوا
جميعا ممن يجب عليهم القود لأقدنا منهم جميعا وكان كل واحد منهم في حكم القاتل
منفردا به ؟ فلما وجب على المشارك الذي لا قود عليه قسطه من الدية دل ذلك على
سقوط القود وأن النفس قد صارت في حكم الخطأ ، فلذلك انقسمت الدية على عددهم .
ومن حيث وافقنا الشافعي في قاتلي العمد والخطأ أن لا قود على العامد منهما ، لزمه مثل
ذلك في العاقل والمجنون والصبي والبالغ ، لمشاركته في القتل من لا قود عليه فيه .
وأيضا فوجدنا في الأصول امتناع وجوب المال والقود في شخص واحد ، ألا ترى أنه لو
كان القاتل واحدا فوجب المال انتفى وجوب القصاص ؟ وكذلك الوطئ إذا وجب به
المهر سقط الحد ، وكذلك السرقة إذا وجب بها الضمان سقط القطع عندنا ، لأن المال لا
يجب في هذه المواضع إلا مع وجود الشبهة المسقطة للقود والحد ، فلما وجب المال
في مسئلتنا بالاتفاق انتفى به وجوب القصاص . ومما يدل على أن سقوط القود فيما
وصفنا أولى من إيجابه : أن القود قد يتحول مالا بعد ثبوته والمال لا يتحول قودا بوجه ،
فكان مالا ينفسخ إلى غيره أولى بالإثبات مما ينفسخ بعد ثبوته إلى الآخر ، وكان سقوط
القود عن أحدهما مسقطا له عن الآخر .
فإن قيل : فأنتم تقولون في العامدين إذا قتلا رجلا ثم عفا الولي عن أحدهما أن
الآخر يقتل ، فكذلك يجب أن تقولوا في هذه المسألة . قيل له : هذا سؤال ساقط على
أصل الشافعي ، لأنه يلزمه أن يقيد من العامد إذا شاركه المخطئ إذا كانت الشركة لاحظ
لها في نفي القود عمن يجب عليه ذلك لو انفرد ، وإن كان سقوط القود عن أحد
قاتلي العمد بالعفو لا يسقط عن الآخر ، فلما لم يلزمه ذلك في المخطئ والعامد لم
يلزمنا في الصبي والبالغ والمجنون والعاقل . والسؤال ساقط للآخرين أيضا من قبل أن
هذا كلام في الاستيفاء ، والاستيفاء لا يجب على وجه الشركة إذ له أن يقتل أحدهما قبل
الآخر ، وله أن يقتل من وجده منهما دون من لم يجد . وأيضا مسئلتنا في الوجوب ابتداء
إذا وقع القتل على وجه الشركة فيستحيل حينئذ أن يكون كل واحد منهما قد صار في
الحكم كمتلف دون الآخر ، واستحال انفراد أحدهما بالحكم دون شريكه . وأيضا
فالوجوب حكم غير الاستيفاء ، فغير جائز إلزام الاستيفاء عليه ، إذ غير جائز اعتبار حال
الاستيفاء بحال الوجوب ، ألا ترى أنه يجوز أن يكون في حال الاستيفاء تائبا وليا لله عز
وجل وغير جائز أن يكون في حال القتل الموجب للقود وليا لله تعالى ؟ وجائز أن يتوب
الزاني فيكون حق استيفاء الحد باقيا عليه وغير جائز وجوب الحد وهو على هذه الصفة ؟
أحكام القرآن — صفحة 180
مساهمون: الجصاص
ص١٨٠