السلام في هذين الحديثين أن الواجب بالعمد هو القود ، ولو كان له خيار في أخذ الدية
لما اقتصر على ذكر القود دونها ، لأنه غير جائز أن يكون له أحد شيئين على وجه التخيير
ويقتصر صلى الله عليه وسلم بالبيان على أحدهما دون الآخر ، لأن ذلك يوجب نفي التخيير ،
ومتى ثبت فيه تخيير بعده كان نسخا له .
فإن قيل : قد روى ابن عيينة هذا الحديث الآخر عن عمرو بن دينار عن طاوس
موقوفا عليه ولم يذكر فيه ابن عباس ولا رفعه إلى النبي عليه السلام . قيل له : كان ابن
عيينة حدث به مرة هكذا غير مرفوع وحدث به مرة أخرى كما حدث سليمان بن كثير ،
وقد كان ابن عيينة سيئ الحفظ كثير الخطأ ، ومع ذلك فجائز أن يكون طاوس رواه مرة
عن ابن عباس عن النبي عليه السلام ومرة أفتى به وأخبر عن اعتقاده ، فليس إذا في ذلك
ما يوهن الحديث .
وقد تنازع أهل العلم معنى قوله تعالى : ( فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع
بالمعروف وأداء إليه بإحسان ) فقال قائلون : العفو ما سهل وما تيسر ، قال الله تعالى :
( خذ العفو ) [ الأعراف : 199 ] يعني والله أعلم : ما سهل من الأخلاق . وقال النبي عليه
السلام : ( أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله ) يعني : تيسير الله وتسهيله على عباده ،
فقوله تعالى : ( فمن عفي له من أخيه شئ ) يعني الولي إذا أعطي شيئا من المال فليقبله
وليتبعه بالمعروف وليؤد القاتل إليه بإحسان ، فندبه تعالى إلى أخذ المال إذا سهل ذلك
من جهة القاتل ، وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة ، كما قال عقيب ذكر القصاص من سورة
المائدة : ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) [ المائدة : 45 ] فندبه إلى العفو والصدقة ،
وكذلك ندبه بما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني ، لأنه بدأ بذكر عفو
الجاني بإعطاء الدية ثم أمر الولي بالاتباع وأمر الجاني بالأداء بالإحسان .
وقال بعضهم : المعنى فيه ما روي عن ابن عباس ، وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع
قال : حدثنا الحميدي قال : حدثنا سفيان الثوري قال : حدثنا عمرو بن دينار قال : سمعت
مجاهدا يقول : سمعت ابن عباس يقول : كان القصاص في بني إسرائيل ولم يكن فيهم
الدية فقال الله لهذه الأمة : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) إلى
قوله ( فمن عفي له من أخيه شئ ) قال ابن عباس : العفو أن يقبل الدية في العمد
واتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) فيما كان كتب على
من كان قبلكم ( فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ) قال : بعد قبول الدية . فأخبر ابن
عباس أن الآية نزلت ناسخة لما كان على بني إسرائيل من حظر قبول الدية ، وأباحت
للولي قبول الدية إذا بذلها القاتل تخفيفا من الله علينا ورحمة بنا ، فلو كان الأمر على ما
أحكام القرآن — صفحة 184
مساهمون: الجصاص
ص١٨٤