فمن اعتبر حال الوجوب بحال الاستيفاء فهو مغفل للواجب عليه . وأيضا فإنه متى عفا
عن أحدهما سقط حكم قتله فصار الباقي في حكم المنفرد بقتله فلزمه القود ولم يسقط
عنه بسقوطه عن الآخر . وأما المجنون ومن لم يجب عليه القود فحكم فعله ثابت على
وجه الخطأ ، وذلك موجب لحظر دم من شاركه ، إذ كان حكمه حكمه لاشتراكهما فيه .
وإذا ثبت بما قدمنا من دلائل الكتاب والنظر سقوط القود عمن شاركه من لا يجب عليه
القود ، جاز أن يخص بهما موجب حكم الآي المذكور فيها القصاص من قوله : ( كتب
عليكم القصاص في القتلى ) وقوله ( الحر بالحر ) وقوله : ( ومن قتل مظلوما )
[ الاسراء : 33 ] ( والنفس بالنفس ) [ المائدة : 45 ] وما جرى مجرى ذلك من عموم
السنن الموجبة للقصاص ، ولأن جميع ذلك عام قد أريد به الخصوص بالاتفاق ، وما كان
هذا سبيله فجائز تخصيصه بدلائل النظر ، والله الموفق .
وذكر المزني أن الشافعي احتج على محمد في منعه إيجاب القود على العامد إذا
شاركه صبي أو مجنون ، فقال : ( إن كنت رفعت عنه القتل لأن القلم مرفوع عنهما وأن
عمدهما خطأ ، فهلا أقدت من الأجنبي ، إذا قتل عمدا مع الأب ! لأن القلم عن الأب ليس
بمرفوع ) . وهذا ترك لأصله قال المزني : ( قد شرك الشافعي محمدا فيما أنكر عليه في
هذه المسألة ، لأن رفع القصاص عن المخطئ والمجنون واحد ، وكذلك حكم من
شركهم في العمد واحد ) !
مطلب : في أن العلل الشرعية
يجب اطرادها ولا يجب انعكاسها
قال أبو بكر : ما ذكره المزني عن الشافعي إلزام في غير موضعه ، لأنه ألزمه عكس
المعنى ، وإنما الذي يلزم على هذا الأصل أن كل من كان عمده خطأ أن لا يقيد المشارك
له في القتل وإن كان عامدا ، فأما من ليس عمده خطأ فليس يلزمه أن يخالف بينهما في
الحكم بل حكمه موقوف على دليله ، لأنه عكس العلة ، وليس يلزم من اعتل بعلة في
الشرع أن يعكسها ويوجب من الحكم عند عدمها ضد موجبها عند وجودها ، ألا ترى أنا
إذا قلنا : ( وجود الغرر يمنع جواز البيع ) لم يلزمنا على ذلك الحكم بجوازه عند عدم
الغرر ؟ بل جائز أن يمنع الجواز عند عدم الغرر لوجود معنى آخر ، وهو أن يكون مما لم
يقبضه بائعه ، أو شرط فيه شرطا لا يوجبه العقد ، أو يكون مجهول الثمن ، وما جرى
مجرى ذلك من المعاني المفسدة لعقود البياعات . وجائز أن يجوز البيع عند زوال الغرر
على حسب قيام دلالة الجواز والفساد ، ونظائر ذلك كثيرة في مسائل العقد لا يخفى على
من له أدنى ارتياض بنظر الفقه .
أحكام القرآن — صفحة 181
مساهمون: الجصاص
ص١٨١