الله تعالى وحججه وآياته وبيناته ، وكلما ازددت فيها فكرا ازددت طمأنينة وسكونا ، وهذا
هو أفضل الذكر لأن سائر الأذكار إنما يصح ويثبت حكمها بثبوته . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال قال : ( خير الذكر الخفي ) حدثنا ابن قانع : قال حدثنا عبد الملك بن محمد قال :
حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى عن أسامة بن زيد ، عن محمد ، عن عبد الرحمن ، عن
سعد بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي ) .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ) عقيب قوله :
( فاذكروني أذكركم ) يدل على أن الصبر وفعل الصلاة لطف في التمسك بما في العقول
من لزوم ذكر الله تعالى الذي هو الفكر في دلائله وحججه وقدرته وعظمته ، وهو مثل
قوله تعالى : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) [ العنكبوت : 45 ] ثم عقبه بقوله :
( ولذكر الله أكبر ) [ العنكبوت : 45 ] والله أعلم أن ذكر الله تعالى بقلوبكم وهو التفكر فقال في
دلائله أكبر من فعل الصلاة ، وإنما هو معونة ولطف في التمسك بهذا الذكر وإدامته .
قوله تعالى : ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا
) تشعرون فيه إخبار بإحياء الله تعالى الشهداء بعد موتهم ، ولا يجوز أن يكون المراد
أنهم سيحيون يوم القيامة ، لأنه لو كان هذا مراده لما قال : ( ولكن لا تشعرون ) لأن
قوله : ( ولكن لا تشعرون ) إخبار بفقد علمنا بحياتهم بعد الموت ، ولو كان المراد الحياة
يوم القيامة لكان المؤمنون قد شعروا به وعرفوه قبل ذلك . فثبت أن المراد الحياة الحادثة
بعد موتهم قبل يوم القيامة . وإذا جاز أن يكون المؤمنون قد أحيوا في قبورهم قبل يوم
القيامة وهم منعمون فيها جاز أن يحيا الكفار في قبورهم فليعذبوا ، وهذا يبطل قول من
ينكر عذاب القبر .
فإن قيل : لما كان المؤمنون كلهم منعمين بعد الموت فكيف خص المقتولين في
سبيل الله ؟
قيل له : جائز أن يكون اختصهم بالذكر تشريفا لهم على جهة تقديم البشارة بذكر
حالهم ، ثم بين بعد ذلك ما يختصون به في آية أخرى وهو قوله تعالى : ( أحياء عند ربهم
يرزقون ) [ آل عمران : 169 ] .
مطلب في أن لإنسان هو الروح
فإن قيل : كيف يجوز أن يكونوا أحياء ونحن نراهم رميما في القبور بعد مرور
الأزمان عليهم ؟ قيل له : الناس في هذا على قولين ، منهم من يجعل الانسان هو الروح
وهو جسم لطيف والنعيم والبؤس إنما هما له دون الجثة . ومنهم من يقول : إن الانسان
أحكام القرآن — صفحة 113
مساهمون: الجصاص
ص١١٣