وقوله : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) . فإن أهل اللغة قد قالوا : إن الشطر
اسم مشترك يقع على معنيين ، أحدهما : النصف ، يقال : شطرت الشئ أي جعلته
نصفين ، ويقولون في مثل لهم : ( أحلب حلبا لك شطره ) أي نصفه . والثاني : نحوه
وتلقاؤه . ولا خلاف أن مراد الآية هو المعنى الثاني ، قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد
والربيع بن أنس . ولا يجوز أن يكون المراد المعنى الأول ، إذ ليس من قول أحد أن عليه
استقبال نصف المسجد الحرام .
واتفق المسلمون أنه لو صلى إلى جانب منه أجزأه . وفيه دلالة على أنه لو أتى
ناحية من البيت فتوجه إليها في صلاته أجزأه ، لأنه متوجه شطره ونحوه . وإنما ذكر الله
تعالى التوجه إلى ناحية المسجد الحرام ومراده البيت نفسه ، لأنه لا خلاف أنه من كان
بمكة فتوجه في صلاته نحو المسجد أنه لا يجزيه إذا لم يكن محاذيا للبيت .
وقوله تعالى : ( وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) خطاب لمن كان معاينا
للكعبة ولمن كان غائبا عنها ، والمراد لمن كان حاضرها إصابة عينها ولمن كان غائبا عنها
النحو الذي هو عنده أنه نحو الكعبة وجهتها في غالب ظنه ، لأنه معلوم أنه لم يكلف
إصابة العين ، إذ لا سبيل له إليها ، وقال تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) [ البقرة :
286 ] فمن لم يجد سبيلا إلى إصابة عين الكعبة لم يكلفها . فعلمنا أنه إنما هو مكلف ما
هو في غالب ظنه أنه جهتها ونحوها دون المغيب عند الله تعالى .
وهذا أحد الأصول الدالة على تجويز الاجتهاد في أحكام الحوادث ، وأن كل واحد
من المجتهدين فإنما كلف ما يؤديه إليه اجتهاده ويستولي على ظنه . ويدل أيضا على أن
للمشتبه من الحوادث حقيقة مطلوبة كما إن القبلة حقيقة مطلوبة بالاجتهاد والتحري ،
ولذلك صح تكليف الاجتهاد في طلبها كما صح تكليف طلب القبلة بالاجتهاد لأن لها
حقيقة ، ولو لم يكن هناك قبلة رأسا لما صح تكليفنا طلبها .
قوله تعالى ( ولكل وجهة هو موليها ) . الوجهة قيل فيها : ( قبلة ) ، روي ذلك عن
مجاهد . وقال الحسن : ( طريقة ) وهو ما شرع الله تعالى من الاسلام . وروي عن ابن
عباس ومجاهد والسدي : ( لأهل كل ملة من اليهود والنصارى وجهة ) . وقال الحسن :
( لكل نبي ) فالوجهة واحدة وهي الاسلام وإن اختلفت الأحكام كقوله تعالى : ( لكل
جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) [ المائدة : 48 ] قال قتادة : ( هو صلاتهم إلى البيت المقدس
وصلاتهم إلى الكعبة ) . وقيل فيه : لكل قوم من المسلمين من أهل سائر الآفاق التي
جهات الكعبة وراءها أو قدامها أو عن يمينها أو عن شمالها ، كأنه أفاد أنه ليس جهة من
جهاتها بأولى أن تكون قبلة من غيرها . وقد روي أن عبد الله بن عمر كان جالسا بإزاء
أحكام القرآن — صفحة 110
مساهمون: الجصاص
ص١١٠