سمعه ، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله تعالى والثبات على طاعته
ومجاهدة أعدائه . ويحكى عن داود الطائي قال : ( الزاهد في الدنيا لا يحب البقاء فيها ،
وأفضل الأعمال الرضا عن الله ، ولا ينبغي للمسلم أن يحزن للمصيبة لأنه يعلم أن لكل
مصيبة ثوابا ) والله تعالى أعلم بالصواب .
باب السعي بين الصفا والمروة
قال الله تعالى : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح
عليه أن يطوف بهما ) روي عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة قال : ( قرأت عند
عائشة رضي الله عنها : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) فقلت : لا أبالي أن لا أفعل ،
قالت : بئسما قلت يا ابن أختي ! قد طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاف المسلمون فكانت سنة
إنما كان من أهل لمناة الطاغية لا يطوف بهما ، فلما جاء الاسلام كرهوا أن يطوفوا بهما
حتى نزلت هذه الآية ، فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت سنة ) قال : ( فذكرت ذلك لأبي بكر بن
عبد الرحمن ، فقال : إن هذا العلم ، ولقد كان رجال من أهل العلم يقولون : إنما سأل عن
هذا الرجال الذين كانوا يطوفون بين الصفا والمروة ، فأحسبها نزلت في الفريقين ) . وروي
عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) قال : ( كان
على الصفا تماثيل وأصنام وكان المسلمون لا يطوفون عليها لأجل الأصنام والتماثيل ،
فأنزل الله تعالى : ( فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) .
قال أبو بكر : كان السبب في نزول هذه الآية عند عائشة سؤال من كان لا يطوف
بهما في الجاهلية لأجل إهلاله لمناة ، وعلى ما ذكر ابن عباس وأبو بكر بن عبد الرحمن
أن ذلك كان لسؤال من كان يطوف بين الصفا والمروة ، وقد كان عليهما الأصنام ، فتجنب
الناس الطواف بهما بعد الاسلام . وجائز أن يكون سبب نزول هذه الآية سؤال الفريقين .
وقد اختلف في السعي بينهما ، فروى هشام بن عروة عن أبيه ، وأيوب عن ابن أبي مليكة ،
جميعا عن عائشة قالت : ( ما أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرئ حجا ولا عمرة ما لم يطف بين
الصفا والمروة ) . وذكر أبو الطفيل عن ابن عباس : أن السعي بينهما سنة وأن النبي عليه
السلام فعله . وروى عاصم الأحول عن أنس قال : ( كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة
حتى نزلت هذه الآية ، والطواف بينهما تطوع ) . وروي عن عطاء عن ابن الزبير قال : ( من
شاء لم يطف بين الصفا والمروة ) . وروي عن عطاء ومجاهد : ( إن من تركه فلا شئ
عليه ) .
وقد اختلف فقهاء الأمصار في ذلك ، فقال أصحابنا والثوري ومالك : ( إنه واجب
أحكام القرآن — صفحة 116
مساهمون: الجصاص
ص١١٦