ويكفي في بطلان هذا التأويل وفسادِه بأنّه تكذيبٌ على ظاهر القرآن والأحاديث الكثار ، حيث قد صرّح فيها بمخاطبة اللّه تعالى مع أصحاب اليمين والشمال من الذرّات البشريّة وتكليفهم بدخول النار ، وتعجيل أصحاب النار في الطاعة واستبطاء أصحاب الشمال عنها ، واستقالتهم عمّا فعلوا واستنابتهم واعتذارهم مرّةً بعد أخرى ، وأمثال ذلك ممّا لا يتصوّر فيه إلّا الحقيقة ولا يتمّ التمثيل والتنزيل فيه ولا يحصى فساد مثل هذه الكلمات ، وليس هذا في الحقيقة الاستبداد وعدم الإطاعة لأهل بيت العصمة عليهم السلام ، فالنمط الأوسط هو القول بما يوافق ظاهرَ الآية وصريحَ الأحاديث .
ومن الآيات الدالّة على المراد قوله تعالى :
« فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ »
« 1 » ، ثمّ ذكر وجه الاستدلال بهذه الآية على ما يستفاد من الأخبار .
[ كلام العلامة قطب الدين الإشكوري ]
قال العلّامة الحجّة قطب الدِّين محمّد ابن الشيخ علي بن عبد الوهاب الأشكوري الديلمي اللاهيجي « 2 » في كتاب « محبوب القلوب » في ترجمة الحكيم سقراطيس :
الأرواح كانت مطّلعةً على بعض الإشراقات الشهوديّة ، مقرّةً لمبدعها بالربوبيّة كما قال سبحانه :
« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى »
لكنّها لالفها بالأبدان الظلمانيّة وانغمارها في الفواشي ( الغواشي ) الهيولائيّة ذهلت عن مولاها ومبدعِها ، فإذا تخلّصت بالرياضة من أسر دارِ الغرور وترقّت بالمجاهدة عن الالتفات إلى عالم الزور تجد عهدَها القديمَ الذي كاد أن يندرسَ بتمادى الأعصارِ أو الدهورِ حصل لها الإدراك مرّةً ثانيةً وهي المعرفة التي هي نورٌ على نورٍ ، ومن هذا قال شيخ كنجه في الخمسة :
هامش
( 1 ) . الأعراف : 101 .
( 2 ) . المولى قطب الدين محمد ابن الملا شيخ علي الشريف اللاهيجي الإشكوري ، كان من تلاميذ المير الداماد وتوفي بعد 1075 من الهجرة ، وكتابه « محبوب القلوب » قد طبع قطعة منه في شرح حالات الحكماء 1317 ه ، رتّبه على مقدمه في حقيقة الفلسفة ومقالات ثلاث : أولها في أحوال الحكماء قبل الإسلام ، وثانيها في حكماء الإسلام ، وثالثها في الأئمة الأطهار عليهم السلام وبعض المشايخ الأبرار ، وخاتمة في ترجمه نفسه . وله أيضا كتاب آخر سماه « ثمرة الفؤاد » ذكرهما له صاحب الذريعة وترجم له ، وما ذكرناه هو ملخصٌ من كلامه طاب رمسه الذريعة : 20 / 141 .