مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً * لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ . . . »
الآية « 1 » ، صرّح فيها بأخذ الميثاق على الأنبياء وخصّ خمسا منهم بذكر أسمائهم لفضيلتهم على غيرهم ، وقدّم نبيّنا في الذِّكر لكونه أسبقَهم وأوّلَهم قبولًا للميثاق الإلهي .
ومنها قوله تعالى :
« وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ »
« 2 » الآية ، ظاهر هذه الآية كسابقها يدلّ على وحدة اجتماع الأنبياء في الخطاب الإلهي وأخذ الميثاق عنهم مجتمعا بخطابٍواحدٍ ، ويشهد بذلك ما في آخر هذه الآية الشريفة من قوله تعالى :
« أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ »
. فانّه ظاهرٌ جليٌّ في وحدة اجتماعِهم في الخطاب الإلهيّة وأخذِ الميثاق منهم .
ومنها قوله تعالى :
« وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى »
الآية ، وهذه الآية بظاهرها تدلّ على المراد ، وقد تواترت الأخبار الموافقة لهذا الظاهر ، وكلّها صحيحةٌ عند القدماء وبعضها صحيحٌ وآخر موثّقٌ على اصطلاح المتأخّرين . وقد أنكر هذا الموضوع الثابت بالكتاب والسنّة من أهل التفريط من غرّه رأيَه الكاسد واستدلّ على قوله الفاسد بأنّ أخبار المسألة مرفوعةٌ أو موقوفةٌ ، وأوّل بفاسد قولِه كتابَ اللّه عن ظاهره .
ثمّ ذكرقدّس سرُّه ما يستفاد من كلام السيّد المرتضى قدّس سرُّه وناقش فيه وأجاب عنه بما يوجب ذكره الإطالة ، وقال بعد ذلك ما ملخّص معناه :
إنّ هذا ما أورده أهل التفريط ، وأمّا أهل الإفراط فإنّهم قائلون بأنّ اللّه تعالى نثرَ الحقائقَ البشريّةَ أمامَ علمه ، واستنطقهم بألسنة قابليّتِهم واستعداد ذواتِهم ، ونصب الدلايلَ عليهم وأعطاهم من العقل ما يدعوهم إلى الإقرار باللّه ، فكأنّهم خوطبوا بعقولهم بخطاب
« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ »
وأجابوا بألسنة عقولِهم
« بَلى »
، وهذا بمنزلة الإشهاد من بني آدم على أنفسهم . وليس المراد من الآية إلّا هذا التمثيل والتنزيل وإلّا ليس في البين قولٌ واستنطاقٌ ومخاطبةٌ ومسائلةٌ .
هامش
( 1 ) . الأحزاب : 7 - 8 .
( 2 ) . آل عمران : 81 .