وهو يفعل ذلك استجابة لروح الرأي العام في عصره ، فمنهجه يتأرجح بين الانكار كما هو الحال في دفاعه عن هارون الرشيد إذ ينكر تماما معاقرة الأخير للخمرة ويثبت له حرصه على أداء الصلوات في أوقاتها « 1 » وبين التبرير كما نرى ذلك في خطوة استخلاف معاوية لابنه يزيد فقد اعتبرها من قبيل « مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية » « 2 » .
ومؤرخ ينكر معاقرة الرشيد للخمرة الذي ملأت مغامراته الكتب حتى دخل عالم « الف ليلة وليلة » الأسطوري . . مثل هذا المؤرخ لا ينتظر منه أن يتعامل بموضوعية وعلمية مع حقائق التاريخ خاصّة التي لا تنسجم مع سياسات عصره وآرائه السياسية بالذات . .
بقي أن نذكر أسلوبا ثالثا في التدوين التاريخي هو الطبري الذي كتب « تاريخ الأمم والملوك » في ظلال العصر العباسي وهو ما يفسّر انطلاقه في الحديث عن العهد الأموي بقدر من الحرّية وفرته السياسة الانتقالية التي تشجع عادة على اظهار مساوئ العهد البائد . .
لم يشر الطبري من قريب ولا من بعيد إلى « غدير خم » والتزم الصمت المطبق واكتفى من تدوينه حجة الوداع بسرد قصة استهلال أمير المؤمنين علي عليه السّلام باهلال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . . وأن النبي أشركه بالهدي فيما بعد ، كما أورد خطابا للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في مكة ينهى فيه المسلمين عن الشكوى من علي لم يذكر تفاصيل أسبابها « 3 » .
وبالرغم من اجماع المؤرخين على اشتراك أمير المؤمنين عليه السّلام في حجة الوداع
هامش
( 1 ) مقدمة ابن خلدون : 19 .
( 2 ) المصدر السابق : 233 .
( 3 ) تاريخ الطبري : 3 / 149 .