اشتغل به المريدون الأتقياء ، فهو لهم حرفة ، وشغف به المرادون الأولياء فهو لهم تحفة ، يتلذّذون به وتجلى لهم من معانيه الملاح ربّ عروس ، وتدار عليهم كئوس الهوى فيشربونها ويسكرون ، وتخلع عليهم خلع الرّضا فيلبسونها ويشكرون ، ويناديهم المولى :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[ إبراهيم : 7 ] ،
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
[ البقرة : 152 ] ، فهاموا في ذكره وشكره ، وغابوا عن كلّ محسوس :
قفي حدّثينا من حديث الأحبّة * وقد سكروا من كأس راح المحبّة
وأقمار حسن قد تجلّت ليجتلوا * عرائس أنوار عن الوصف جلّت
ولا تخلطي في راح مرتاحة الهوى * ومشغولة بالحبّ خلّ خليّة
نفوس خلت عن وصفهم وتشبّهت * بهم وتسمّت بالأسامي السنيّة
تسمّى فلان الدّين من هو عكس ما * تسمّى به حاوي الصّفات الدنيّة
فنور ظلام والكمال نقيصة * ومحيي مميت ثمّ عكس البقيّة
سوى السيّد الحبر النّواوي « 1 » وشبهه * إمام الهدى محيي لدين وسنّة
وناس لهم أسماء في الشّرع ترتضى * ولكن صفات القوم غير رضيّة
كمثلي عبد اللّه من لم تحلّه * عبودية في سادة الخلق حلّت
ولكنّه عبد الهوى قد تملّكت * له النّفس في قول وفعل ونيّة
وعبد الهوى يمتاز من عبد ربّه * لدى شهوة أو عند صدم بليّة
بكير البلا يبدو من التّبر حسنه * ويبدو نحاس النّحس في كلّ محنة
خلا من حلا قوم كرام تدرّعوا * دروع الرّضا والصّبر في كلّ شدّة
ولاقوا طعان النّفس في معرك الهوى * وراحوا وقد أرووا مواضي الأسنّة
وساقوا جياد الجدّ عند استباقهم * وأرخوا لها نحو العلا للأعنّة
سموا فاجتلوا بيض المعالي غواليا * ببيض العوالي في القصور العليّة
مقامات قوم أتعبوا النّفس في السّرى * فأضحوا ملوك الدّهر فوق الأسرّة
هامش
( 1 ) هو الإمام محيي الدين النووي - ويقال النواوي - يحيى بن شرف الحوراني الشافعي ( 631 - 676 ه ) علّامة بالفقه والحديث ، مولده ووفاته في نوى ( جنوب دمشق ) وإليها نسبته . تعلم في دمشق وأقام بها زمنا طويلا . له العديد من المؤلفات .