واليهود ، والنّصارى ، والمجوس ، وأشهد أنّ محمدا عبده المجتبى ، سيّد الأنام ، ورسوله المصطفى خاتم الرّسل الكرام ، بدر الدّياجي ، منوّر كلّ حندوس « 1 » ، صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله الكرام أولي النّدى ، وعلى أصحابه النّجباء نجوم الهدى ، وأزواجه المطهّرات من الأرجاس والأدناس ، وذرّيته السّادات الرّءوس .
أما بعد : فإنّ المتّقين الموفّقين الأكياس ، علموا أنّ أنفاسهم أنفس من الجواهر النّفاس ، فلم يضيّعوها في البطالة ، ولم يبيعوها بالفلوس :
أرى كلّ من ألهاك عن كسب طاعة * عدوا وإن كان الصّديق المصافيا
لما أنّ أنفاس الحياة جواهر * نفاس وقد أضحى لها عنك نافيا
بها غرف في جنّة هان فوتها * عليك وفيها العيش يهنيك صافيا
ولو جيفة الدّنيا تفوت لسارعت * يداك إلى ترب على الرّأس سافيا
ستدري على أيّ تقاسي تحسّرا * ويبدو غدا ما كان في اليوم خافيا
باع أولو الرّشد أنفاسهم النّفيسة بالباقي الخطير النّفيس ، ولم يبيعوها بالفاني الحقير الخسيس ، خلافا لنا أيّها الحمقاء السّفهاء النّحوس :
بدنيا نبيع الدّين فالدّين ذاهب * كما بيع منزوع ودنيا ستنزع
كما قال رأس الزّاهدين ابن أدهم « 2 » * عليّ المقام العارف المتورّع
( نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع )
« 3 » عميت قلوبنا من صدأ الآثام ، فضلّت عن طريق الهدى ، وتاهت وقست من أكل الحرام ، وفضول الكلام ، ومرضت من مجالسة موتى القلوب ، وماتت ودفنت في قبور الغفلة ، فلا يكشف عنها غطاؤها إلّا في يوم عبوس . هذا ، وإنّ ذكر اللّه حياة القلوب ودواؤها وجلاؤها « 4 » من صدئها ، وغذاؤها وحاميها من شرّ العدوّ وحصنها به محروس ،
هامش
( 1 ) كذا في الأصل مراعاة للسجع ، والحندس : الليل المظلم .
( 2 ) هو إبراهيم بن أدهم البلخي زاهد مشهور ، أخذ عن كثير من العلماء ، وكان يعيش من العمل بالحصاد ، وحفظ البساتين ، والحمل والطحن ، ويشترك مع الغزاة في قتال الروم ، وكان يصوم في السفر والإقامة ، وينطق بالعربية الفصحى ولا يلحن . مات سنة 161 ه .
( 3 ) البيت في ديوان عبد اللّه بن المبارك صفحة 86 .
( 4 ) في المطبوع : هذا أوان ذكر اللّه حياة القلوب ودوائها وجلائها .