مسعود الجاوي « 1 » رضي اللّه عنه ، وإذا قد أقبل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كأنّه البدر الطالع ، وهو يحمل في ردائه شيئا قاصدا ذلك الجمع ، فأتى إلى يتيم ذي فاقة ، فأعطاه الذي في ثوبه ، وإذا هو شيء أخضر من ثمار الفواكه ، فقلت : يا رسول اللّه ، نصيبي . فأشار إليّ أن أمشي بعده ، فمشيت بعده ، فدخل بيتا ، ثم صعد غرفة ، فصعدت بعده ، وإذا في زاوية الغرفة من تلك الفاكهة المذكورة ، فغرف لي منها بكفّيه الكريمتين مرّتين ، ورأيت في الغرفتين السّبحتين المذكورتين .
* وذكر بعض النّساء الديّنات الخيّرات : أنّها رأت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في النوم ، فأطالت معه الكلام ، ثم قالت : ما أشتهي أفارقك يا رسول اللّه . فأخذ صلى اللّه عليه وسلم ترابا أبيض من جدار القبلة ، ووضعه في كفّه اليسرى ، ثم بحث في الأرض بكفّه اليمنى مرة فنبع ماء ، فغرف منه غرفة بكفّه اليمنى ، وعجن بها التّراب الذي في كفّه اليسرى ، وأخذ سبحة كانت معها ، ولطّخها بذلك الطين ، ثم وضع السّبحة على جسمه المبارك الكريم ، أحد طرفيها على صدره ، والطّرف الآخر على وجهه ، ليطبع بها من بركته صلى اللّه عليه وسلم ، ثم أعطاها إياها ، وقال : إن أردت أن لا تفارقيني فلا تفارقي هذه السّبحة ، ثم استيقظت وأثر الطين في السّبحة .
وأخبرني بعض الإخوان الأخيار ، وهو زوج المرأة المذكورة : أنّه رأى أثر الطّين المذكور في السّبحة المذكورة عقب المنام المذكور .
قلت : والظّاهر واللّه أعلم أنّه أراد صلى اللّه عليه وسلم بملازمة السّبحة ملازمة التّسبيح بها .
* والسّبحة على ثلاثة أقسام : مسبحة بالسين المهملة ، وهي التي يسبّح بها ، ومشبحة بالشين المعجمة وهي البطالة ، ومذبحة وهي التي يديرها صاحبها ، وهو يغتاب الناس ، ويذبحهم ويأكل لحومهم ، وفي ذلك أقول :
وكم من مسبحات علّقت في * حلوق مذبحات للرّقاب
لقذفي غيبة عمّت وطمّت * مصيبات بها كم من مصاب
بمقراض من النّيران قرّض * لسانا ذات قرض واغتياب
* * *
هامش
( 1 ) مسعود بن عبد اللّه الجاوي شيخ كبير مشهور بمدينة عدن ، كانت له صحبة لأكابر المشايخ ، انتفع به مؤلفنا اليافعي ، وهو أول من ألبسه الخرقة . طبقات الخواص للشرجي 156 .