قلبي . فقال الجنيد : صدقت في الأولى ، والثانية ، والثالثة ، ولكنّي أردت أن أمتحنك ، هل يتغيّر قلبك ؟
* وروي عن السّريّ أنّه قال : كنت أطلب رجلا صدّيقا مرة من الأوقات ، فمررت في بعض الجبال ، فإذا أنا بجماعة زمنى « 1 » ، وعميان ، ومرضى ، فسألت عن حالهم ، فقالوا :
هاهنا رجل يخرج في السّنة يدعو لهم ، فيجدون الشفاء ، فصبرت حتى خرج ، ودعا لهم ، فوجدوا الشفاء ، فقفوت أثره ، وتعلّقت به ، وقلت : بي علّة باطنة ، فما دواؤها ؟ فقال :
يا سريّ ، خلّ عني ، فإنّه غيور ، لا يراك تساكن غيره ، فتسقط من عينه .
* وقيل : إنّ إبراهيم بن أدهم قال لرجل : تحبّ أن تكون للّه وليا ؟ فقال : نعم . فقال :
لا ترغب في شيء من الدّنيا والآخرة ، وفرّغ نفسك للّه ، وأقبل بوجهك عليه ليقبل عليك ويواليك .
* وقال ابن السّمّاك « 2 » في وعظه : من أعرض عن اللّه بكلّيته أعرض اللّه عنه جملة ، ومن أقبل على اللّه بقلبه ، أقبل اللّه برحمته عليه ، وأقبل بجميع وجوه الخلق إليه ، ومن كان مرّة ومرة ، فاللّه يرحمه وقتا ووقتا ، أو كما قال .
* وقال الخرّاز : إذا أراد اللّه أن يوالي عبدا من عبيده فتح عليه باب ذكره ، فإذا استلذّ الذّكر فتح عليه باب القرب ، ثمّ رفعه إلى مجالس الأنس ، ثم أجلسه على كرسيّ التّوحيد ، ثم رفع عنه الحجاب ، وأدخله دار الفردانية ، وكشف له حجاب الجلال والعظمة ، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو ، فحينئذ صار العبد زمنا فانيا ، فوقع في حفظه سبحانه ، وبرئ من دعاوى نفسه .
* وقال النّوري : أمّا القرب بالذّات ، فتعالى الملك عنه ، وأنّه متقدّس عن الحدود والأقطار ، والنهاية والمقدار ، ما اتّصل به مخلوق ، ولا انفصل عنه حادث مسبوق ، جلّت الصمديّة عن قبول الوصل والفصل ، فقرب هو في نعته محال ، وهو تداني الذّوات ، وقرب
هامش
( 1 ) زمنى : مقعدون .
( 2 ) ابن السماك محمد بن صبيح العجلي الزاهد القدوة ، روى عن الأعمش وطائفة ، وعظ هارون الرشيد ، توفي سنة 183 ه . طبقات المناوي 1 / 433 .