وقال الآخر ، وهو الشيخ العارف ابن الفارض رضي اللّه عنه في بعض قصائده « 1 » :
إذا أنعمت نعم عليّ بنظرة * فلا أسعدت سعدى ولا أجملت جمل
حرام شفا سقمي لديها رضيت ما * به حكمت لي في الهوى ودمي حلّ
فحالي وإن ساءت فقد حسنت بها * وما حطّ قدري في هواها به أعلو
فنافس ببذل النّفس فيها أخا الهوى * فإن قبلتها منك يا حبّذا البذل
فمن لم يجد في حبّ نعمى بنفسه * وإن جاد بالدّنيا إليه انتهى البخل
ولولا مراعاة الصبابة « 2 » غيرة * وإن كثروا أهل الصبابة أو قلّوا
لقلت لعشّاق الملاحة أقبلوا * إليها على رأيي « 3 » وعن غيرها ولّوا
وإن ذكرت يوما فخرّوا لذكرها * سجودا وإن لاحت إلى وجهها صلّوا
القسم الثاني : قوم لهم ذوق في العبادات ، وأنس في الخلوات ، وحلاوة في مناجاة مولاهم ولذّات ، ويلحقهم تغيّر وتكدّر في المخالطات ويلحقهم أيضا تفرّق الهمّ باللّه ، وعدم الانجماع عند الاجتماع في الاشتغال بالعلم بالبحث والمذاكرات ، وبالدّرس والمطالعات ، وخصوصا عند المماراة والمجادلات ، فهؤلاء إن عرفوا الزّيادة في قلوبهم وأحوالهم من النقصان ، لزموا الذي يجدون به الزّيادة حيث ما كان ، وإن لم يعرفوا ذلك فينبغي أن يكثروا من صلاة الاستخارة والدّعاء ، والتضرّع إلى مجيب الدّعوات في التّوفيق للأفضل في حقّهم من العلم والعمل ، هذا كلّه بعد تعلّم أحكام فرض العين الذي لا بدّ لكلّ مكلّف من معرفته ، ولا يجوز الإقدام عليه بجهالته ، كعلم صحيح العقيدات ، وعلم صلاح القلب وطهارته من الصّفات المذمومات ، وعلم أحكام ما يلزم من سائر العبادات ؛ كالصلاة ، والصوم ، والطّهارات ، وكذا الحجّ إن وجب عليهم ، ومثله الجهاد والزّكاة ، ويلزمهم في جميع ذلك تعلّم أصول المسائل ، وما يقع منها في الغالب دون الفروع النادرات ، ومع هذا فالذي أراه لمن عرف من نفسه نجابة في الاشتغال بالعلم ، وقابلية ،
هامش
( 1 ) الديوان 137 ، من قصيدة مطلعها :هو الحبّ فاسلم بالحشا ما الهوى سهل * فما اختاره مضنى به وله عقل( 2 ) في الديوان : مراعاة الصيانة .
( 3 ) في ( ب ) والمطبوع : رأسي .