وكم أنا وقّاف على كلّ منزل ، * وكم أنا مرتاح إلى كلّ بارق
أحنّ إلى من لا يحنّ صبابة ، * وما واجد قلبا مشوق وشائق
وعندي من الأحباب كلّ عظيمة * تزهّد في قرب الضّجيع المعانق
تعطّلت الأحشاء من كلّ أنّة ، * فلا القرب يضنيني ولا البعد شائقي
وما في الغواني من سرور لناظر ؛ * ولا في الخزامى من نسيم لناشق
رمى اللّه بي من هذه الأرض غيرها ، * وقطّع من هذا الأنام علائقي
فكم فيهم من واعد غير منجز ؛ * وكم فيهم من قائل غير صادق
يظنّون أنّ المجد فيمن له الغنى ، * وأنّ جميع العلم فضل التّشادق
وفاء كأنبوب اليراع لصاحب ، * وغدر كأطراف الرّماح الزّوالق
ولولا ابن موسى لم يكن في زماننا * معاذ لجان ، أو محلّ لطارق « 1 »
ولا دبّرت سمر القنا كفّ فارس ، * ولا مدّ في رزق المنى باع رازق
تغمّدنا من كلّ أرض بنفحة ، * وأمطرنا من كلّ جوّ بوادق « 2 »
إذا همّ لم يبعد به زجر زاجر ، * وإن ثار لم يعطف به نعق ناعق
وإن رام أملاك البلاد بفتكة ، * مشى الذّلّ في تيجانها والمناطق
له العزّ والمجد التّليد وراثة ، * وأخذا عن البيض الظّبى والسّوابق « 3 »
وما زال يلقى كلّ غبراء فخمة * تغالي بأطراف القنا والعقائق « 4 »
وما برحت في كلّ عصر سيوفه * مواضع تيجان الرّجال البطارق « 5 »
يجرّدها مثل الأقاحي على الطّلى ، * ويغمدها محمرّة كالشّقائق
تبلّغه أقصى الأماني رماحه ، * وآراؤه ، والرّأي أمضى مرافق
هامش
( 1 ) ابن موسى : كناية عن والد الشاعر - معاذ لجان : ملجأ لمستجير ، والجاني هو طالب الماء .
( 2 ) الوادق : الغيم الماطر .
( 3 ) التليد : القديم الموروث - البيض الظبي : السيوف القاطعة - السوابق :
الخيول .
( 4 ) تغالي ، من غالى بالسهم : رمى به إلى أقصى غاية - العقائق : السيوف .
( 5 ) البطارق : القادة ، والبطريق هو قائد الروم .